السبت، 27 يوليو 2013

كل اللى بحلم بيه



 من المفترض أن أدون اليوم عن الأحلام. للوهلة الأولى رأيته موضوعا مبتذلا عن الأحلام مرة آخرى! الأحلام التى نظن أننا نحفظها عن ظهر قلب، الأحلام التى من المفترض أن تكون دافعنا فى هذه الحياة اللطيفة، لكننا وفي يوم ما نجد أنفسنا نحتمي بفراشنا ونشد علينا غطاء السرير لنخفي وجوهنا لنجد أنه لم يعد لدينا ما نستيقظ لأجله ولم يعد لدينا ما نغادر فراشنا بسببه، وأن هذا اليوم هو الكلاكيت الخامس بعد المائة لأمس الذي كان بدوره الكلاكيت الرابع بعد المائه لأول أمس.  أفتح عيناى لتقع على الغرفة لأجد كل شيء كما هو فى مكانه، ويزعجني صوت المنبه مرة عاشرة ليذكرني بوجوب ارتداء ملابس العمل كالأمس وبضرورة الجلوس على المكتب نفسه كأول أمس وبحتمية الرجوع الى المنزل كأول أول أمس وباعتيادية النوم في التوقيت ذاته كالأسبوع الفائت لافتح عيناى صباحا لتقع على الغرفة التى أجد بها كل شيء كما هو.

 يمكنني سماع غطاء السرير الذى أشده بقوة لأغطي به وجهي وهو يسألني عما إذا كان ما أنا فيه فى هذه اللحظة هو ما كنت أحلم به. أيمكنني أن أمنع هذا السؤال من الدوران فى رأسي؟ متى أصبح كل شيء مملا لهذه الدرجة؟ ألم أقسم يوما ألا أسمح للحياة بوضعي فى القالب النمطى؟ ألم أسخر من الكبار لأنهم مملون ومتشابهون؟ لقد نسيت أحلامي وسط الزحام من الأساس وأصبحت أنا أيضا نسخة من نسخة من نسخة. أصبحت كل ما كنت أكرهه وتخليت عن كل ما كنت أحبه فى نفسي. أخذت الحياة مأخذ الجد وقد كنت عاهدت نفسي يوما أن أستمتع بها قبل أن أموت. أنا ميتة وسط أموات يظنون أنفسهم على قيد الحياة.

 أوهمتنى الحياة أن أحلامى الإنسانية أحلام ساذجة لم تعد مجدية، وأن على أن أكف عن التصرف كالحالمين.  صفعنى الواقع مرتين عندما كنت أحلم بأن أجد وجوه الناس فى المواصلات العامة مبتسمة فزاددت الوجوه تجهما، وعندما ظننت أني سأجد من يشاركني في ملاحظة الأمر وبالطبع لم يحدث. وبعد أن كنت أظن بأن رؤية وجها مبتسما فى الصباح حق بديهى من حقوقي في العيش أصبح وجهي أنا عبوسا. وارتطم حلمي بأن أكسب عيشي من مهنة أستمع بها فأصبحت مدفونة تحت مكتب عملى. أتعجب من نفسي البلهاء التي كانت تؤمن ذات يوم بأنه "لا يوجد في هذه المكاتب سوى موت مدقع"، متى أصبحت أنا التى لا أحبها؟  حتى الحب الذي لم أكن أريد منه سوى مقعد خشبي أتقاسمه مع المحبوب، ووردة يعطيها لي بلطف، وحضن يحتوى ضعفي الخفي عن الأعين، حتى الحب خذلني وظهر أكثر تعقيدا مما كنت أظن.

  الأحلام؟! التفاصيل الإنسانية  البسيطة التى تنسجها روحنا هى أحلامنا. أعلم اليوم بأن النافذة الزجاجية النظيفة التى تطل على حديقة صغيرة لن تكون أول ما تستقبله عينى عندما أستيقظ. وأعلم أنى لن أستمع لزقزقة العصافير بدلا من المنبه. وأعلم أن شعاع الشمس الصباحي لن يدخل من الشباك الخشبي  ليبث الحياة من جديد في الغرفة بعدما قام الجيران بتعلية البناء المقابل فحجبوا بذلك أشعة الشمس عن غرفتي. وأعلم أني لن أربي نباتات خضراء أو قطة فى المنزل لأن أمي تكره النمل والقطط. وأعلم أنى عندما أريد البكاء لن أجد كتف رجل أغرقه بدموعي وبذلك لن أذهب الى مكان آخر سوى دورة المياة. وأعلم أن الكتب وحدها هى رفيق الليل والفراش. وأعلم أن من جميع الرجال المحيطين بالقشرة الظاهرة لا يوجد واحد محب لمن هى بالداخل. وأعلم أني لن أجد ورودا ملونة في الطرقات، ولن أجد صحيفة تستحق القراءة، ولن أحتضن من أريد وقتما أريد دون أن يتم تأويل تصرفي بسوء، ولن أجدني في مكان آخر لازال يعيش به بشر أحياء.

ألازال من المفترض أن أدون اليوم عن الأحلام؟!

الثلاثاء، 2 يوليو 2013

عم يسألوني عليك




  لأننا كبشر جد أغبياء لا ندرك قيمة ما بأيدينا إلا بعد فقدانه. هذه حقيقة معروفة و مقولة مكتوبة على جدران الشوارع وعلى حوائط البيوت وحتى على الألواح الزجاجية لسيارات الأجرة. وعندما يتذاكى أحدهم ويكرر بينه وبين نفسه أنه ليس ضمن صفوف الأغبياء يفيق على صفعة غباء الآخرين الذين كنا نحسبهم مختلفين يوما ما. ولأن (حياة) كانت تحسبه مختلفا صفعها غباؤه على وجهها وصفع ذكائها المتقد واطفأ شيئا من حيويتها. كانت تعرف ما الذي تريد. وكانت تريده هو بالتحديد. عندما أدركت (حياة) يقينا أنه ينتمي لعالمها وأنها تنتمي لعالمه كان المشي على الجمر أهون عليها من تركه يضيع سدى. لم تكن ستتركه بسهولة بين يدي فتاة خرقاء بلهاء لا تفهمه ولن تحاول على الأرجح. يكفي تلك الفتاة البلهاء أنها ستوقع به في شباكها لتفوز بلقب "فتاة مخطوبة" لرجل وسيم تتباهى به أمام صديقاتها. كل شيء عدا ذلك لا يهم البلهاوات وما أكثرهن. لم تكن (حياة) تحاول لفت انتباه (باسم) إليها ولم تكن تحاول إثبات وجودها في حضوره فهو يكاد لا يرى سواها، ثم أن كبريائها لم يكن ليسمح لها بأي محاولة عابثة من هذا القبيل. كلٌ له نصيب من اسمه و(باسم) كان بريئا دائم الابتسام. 


                                           نطرتك أنا قبل الشتي وبعد الشتي بشوي... 


  لم يكن (باسم) المبتسم مدركا تماما أن (حياة) تنتمي لعالمه وأنه ينتمي لعالم (حياة). ولأن (حياة) كانت على يقين بأن الحياة أقصر مما تتخيل لم تكن ستتركه لحال سبيله. لم تكن ستتركه دون حتى أن تحاول. فكرت كثيرا أن تخبره، لم تكن ستخبره بأنها تحبه بالطبع! لكنها كانت ستطلب منه أن يفتح عينيه قليلا ليرى كيف أنهما يضحكان من الشىء نفسه وكيف تسبب الأشياء البسيطة لهما نوعا من السعادة وكيف أنهما يرفعان شعار "الحياة قصيرة" فيحاولا زيادة انتصاراتهما ولو كانت صغيرة قدر المستطاع. حتى أنها شاركته في سماع أغنيتها المفضلة ونظرت اليه طويلا عندما يغني "ستينغ"  Oh can't you see you belong to me  وهى العبارة التي تلخص موقف (حياة) تجاه (باسم) بطريقة مثالية. وكأنها تسأله ماذا يظن بشأن هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس؟ لكنه لم يستطع أن يرى ما تراه. على الأرجح لم تكن (حياة) تطابق  التصور القائم داخل (باسم) عن شريكة حياته. لم تستطع التأقلم مع هذا التفسير إلا عندما قامت بنفسها بصفع توقعات أحدهم الذي كان يراها بدوره تنتمي لعالمه ويرى نفسه ينتمي لعالمها. غريب هو موضوع الإنتماء هذا. عندما لا يجد الرجل وطنا يستحقه يلوذ بالإنتماء لامرأة. والمرأة منكوبة دائما بالإنتماء للذكريات. ياتري إلي أي امرأة تنتمي يا (باسم)؟ لم تستطع (حياة) البقاء داخل مثلث الإنتماءات مختلف الأضلاع هذا. السير على الجمر أصبح الآن أسهل على كبريائها من انتظاره أن يرى. في لحظة قررت انهاء هذا العبث ولململت آمالها ووقفت على الحافة الآخرى من النهر.

 
 عندما قابلها بعد خمس سنوات تعرف عليها بسهولة. (حياة) لازالت هي (حياة) فقط أكثر جمالا وتألقا كنجمات السنيما. طلب من معد الموسيقى أن يلعب أغنيتها المفضلة وعندما فعل نظر إليها طويلا عندما كرر "ستينغ" Oh can't you see you belong to me  فبدا لها أن "ستينغ" لم يتوقف عن غناء هذه الأغنية منذ خمس سنوات كاملة  وبدا لها أنه ظل يكرر هذا السطر تحديدا مرات عديدة دون انقطاع حتى أصبح مبتذلا. أرادت أن تخبره بأن الإنسان يتألم كثيرا حتى يجده الشخص الوحيد المناسب له. كانت تود إخباره بأنه كان عليه أن يعاني قبل أن يتيقن أنها هي شخصه الوحيد المناسب لكن غبائه - رغم ذكائه - لم يسعفه وأن الصورة القابعه في مخيلته كانت لها هي دون أن يدري وأنه كان يتعين عليه أن يستوعب كما استوعبت هي في حينها أنهما ملائمين لبعضهما تماما. لكنها لم تخبره بشيء واحد مما كانت تريد. أشاحت بوجهها عنه وهي تتمتم على أمل أن يسمعها "أكتب عني بين الحين والاخر" وظلت تردد بشكل آلي مع الموسيقي راسمة ابتسامة ساخرة على ثغرها بصوت لا تهتم بأن يظهر عذبا  Oh can't you see you belong to me.
 

الاثنين، 1 يوليو 2013

حوليات: الجنيه



 ماذا كان سيقول لو كان ينطق؟ منذ فترة طويلة وددت معرفة هل يعجبه الـ"نيو لووك" بتحويله من عمله ورقية لعمله معدنية؟ هل جرحت كرامتك يا جنيه بمساواتك بربعك الذى لم تعد له قيمة تذكر؟ منذ وقت ليس بقليل كانت تحرص خالتي على تبديل النقود من البنك والحصول على جنيهات ورقية بنية جديدة لتهديها لي في الأعياد.  لم يعد الجنيه مجديا في شىء الان حتى ولو كان رمزيا. حتي العيديات الرمزية أرتفعت قيمتها بانهيار سعر الجنيه. أنت غير مجدي أيها الجنيه لدرجة أنك لو بحثت عن نفسك في محركات البحث الالكترونية لن تجد أحد يهتم بك. ما ستجده هو كيف يتحدث الجميع عن تدني قيمتك. هل أنت مدرك مدى تدني قيمتك؟! كيف ستدافع عن نفسك لو كنت تنطق؟!  ولم يبدو قناع توت عنخ امون الذهبي المرسوم على الجنيه كأنه يبتسم ساخرا؟ وكأنهم بصك صورة توت عنخ امون على الجنيه يكسبونه قيمة إضافية فيبتسم توت عنخ امون من غبائهم ساخرا. بعد أن انقضوا على ذكرياتي معك ايها الجنية الورقي علي أن أخبرك بشيئا: أنا لا أحب شكلك المعدني الجديد لأنك أصبحت قبيحا وثقيلا وقابل للصدأ وعديم القيمة وعديم الهيبه. أظن أنك مشغول  بما هو أهم، فالدولار العملاق يسحق كرامتك وأنت أيها المفعوص تسحق كرامتنا بدورك. لكن، هل يهمك هذا من الأساس؟ إبتسم يا توت عنخ امون واستمر في سخريتك منه ومنا.

 

الاثنين، 17 يونيو 2013

البدايات السعيدة




 

   عن البدايات السعيدة التي يرسلها الله لك ليربت بها على قلبك، عن بصيص الأمل الذي يلوح أمام عينيك من حيث لا تدري،   عن الرسائل الألهية التي كنت في انتظارها طويلا، عن العلامات - بلغة باولو كويلو - التي تخبرك بأنك على الطريق الصحيح ولو كنت حتى فى أوله، عن جدوي الكتابة من الأساس، عن الوردة المختبئة وراء الأوراق الخضراء والتي على وشك أن تتفتح لتواجه العالم والتي طالما كانت رمزا للبدايات الجديدة فى شتي الحضارات الإنسانية، عن طعم الشاي الذى أصبح ألذ بصورة مفاجئه هذه المره  بعد أن أزاحت البداية السعيدة بعض من مرارة كنت قد تأقلمت عليها فلم أعد ألحظها، عن بشر يتحدثون لغتك، ويرون العالم بعينيك، وإن لم يشاركوك نفس الزاوية فهم يتفهمون ما تعنيه تماما، لكنك لا تقابلهم في حياتك اليومية فتنعي حظك الذي أحاطك بمجموعة من الحمقي، عن الأرواح البشرية التي قررت منذ زمن تدوين أنفسها ونفسها، وتدوين مخيلاتها وأحلامها ونثرها على الشبكة العنكبوتية فينتقل عبيرها بين نفوس العابرين  بين الكلمات، عن من لا يجدون وسيلة أخرى لصفع الواقع سوى الاستمرار في الكتابة، عن حوليات الثلاث مئة وخمسة وستين يوما التي تخبرك بأنك لست وحيد على متن هذا الكوكب.

الخميس، 30 مايو 2013

نقطة التقاء

 

فى ذلك الشارع الذى لا تبدو له نهاية، أو ربما لا تظهر نهايته بسبب ظلمته رغم كونه شارع عمومي، أسير عكس اتجاه السيارات القادمة. التزم فى بعض الأحيان بالسير على الرصيف كالكبار، لكن فى معظم الأحيان أسير بمحاذاة السيارات لأكون أقرب للنور، فمصابيح السيارات هى مصدر الضوء الوحيد فى هذا الشارع. أمشى ككل يوم سارحة بخيالي فى الملكوت وأنا أفكر فى أمور وجودية يجبرني كلا من الظلام والمشي على التفكير فيها، السير في هذا الشارع يجعل مني فيلسوفة أحيانا، وكاتبة طوال الوقت. كم رواية بدأت في نسجها داخل عقلي وأنا أسير في هذا الشارع ولم أنهها؟ كم قصة قصيرة كتبها عقلي وألح علي لأسجلها على الورق ولم أعر له اهتماما؟ والمقالات الساخرة التي كانت تدور عباراتها في رأسي فتجعلني أبتسم فيظن الشاب المقبل علي فى الشارع أني أبتسم له كم كانت؟ حتى ظهرت أنت من اللامكان. رأيتك أمامي ولا أدري من أين أتيت وكيف أتيت وكيف اختصرت أنت طول الطريق والمسافة  وطول الرواية الكائنه برأسي وكيف أربكت البطلة فبدت نقطة التقائنا نهاية الشارع.



  هل تدري ما كنت أفكر به بعد هذه المدة التى لم أرك بها؟ أن نختصر الكلام أيضا فأرمي برأسي على صدرك وحسب شأت أنت أم أبيت، وأن تكف أنت عن ثرثرتك وتصمت لدقيقة وتقبل الوضع، لكني لازلت بعقلي ولم تطح الرواية التى بداخله بالمتبقي منه بعد فاضطررت لأن أفصل في أقل من الثانية بين الواقع والأدب وأن أتظاهر بأني من جليد لا أشعر بأى شىء على الإطلاق، وأن أرسم ذلك النوع من الابتسامات الذي يرتدونه في المناسبات. مرت الدقائق بسرعة ولا أذكر سوى أني أردتك أن تبقى أكثر ولكني لم أفصح، لكنك تركتني ومشيت على أية حال. يمكنني أن أغفر لك ذهابك سريعا لسبب واحد لا غير; أنني لم أشعر بأننا غريبين، لم نبدو كغريبين يتقابلا ولم نكن غريبين عن بعضنا. عليك أن تشكر شيئا ما في روحك يجعلني أشعر بالألفة تجاهك وبسببه نحن لسنا غريبين. وبعد أن تركتني مشيت أنا وقد كنت فقدت كل تفاصيل ما كان يؤلفه عقلي، ورغم محاولاتي معه لم أجده يريد التفكير إلا بك. والتفكير بك يعني أني على مشارف اكتئاب مصغر وأني على وشك الدخول فى دائرة الشوك وحتما سيصيبك جانبا من طول لسان عقلي، بالمناسبة، لم أنت غبيا الى هذا الحد؟! أم أنك تتظاهر بالغباء لتبدو متجاهلا؟ أجب على عقلي أيها السيد الوسيم.


 

 فى ذلك الشارع الذى لا تبدو له نهاية، أو ربما لا تظهر نهايته بسبب ظلمته رغم كونه شارع عمومى، أسير عكس اتجاه السيارات القادمة. التزم فى بعض الأحيان بالسير على الرصيف كالكبار، لكن فى معظم الأحيان أسير بمحاذاة السيارات لأكون أقرب للنور، عندما أقترب من تلك النقطة التى أطلقت عليها نقطة التقائنا، ولو سألني أحد المارة عن مكان بقربها سأجيبه بأنها بجوار "نقطة التقائنا" سواء فهم ما أعنيه بذلك أم لا، عندما أقترب أتوقع ظهورك مرة أخرى من العدم، ولكنك لا تظهر، ألن تظهر؟! كأنك لم تكن موجودا على الاطلاق، أسير ببطء علنا نتعثر ببعضنا البعض ولكن لا شيء يحدث. كأنك لم تمر من هنا يوما. وعندما اتخطى تلك النقطة أشعر بوخز في القلب وأجبر دمعة تريد التنفس على الاختناق كما أجبر عقلي على أن ينسى الأمر وأخبره أنه لازال بإمكانه كتابة أدبا ساخرا فأعود للإبتسام وأقترب أكثر من نور مصابيح السيارات.
 

الجمعة، 1 مارس 2013

في دورة المياة جلست وبكيت


  سيقولون أن الكاتب مهووس أو مريض نفسي لكن الكاتب على يقين تام أن كل ما هو غير عادى فى خبايا النفس من اضطرابات ليست من ضروب الجنون لا سمح الله، بل تنتج تلك أحيانا عن كون الإنسان المضطرب طبيعيا جدا لدرجة تجعله لا يتحمل كل هذا، فيضطرب. لا يفضل الكاتب فى معظم الأحيان أن يطلق أسماء على شخصياته، فهو يحب استخدام الضمائر (هو) و (هى) إيمانا منه بأن كل (هو) يكتبه و كل (هى) يكتبها أجزاء متناثرة من أعماق أولئك الذين يجدون الفرصة لقراءة ما يكتبه، سواء تعرفوا على هذا الجزء منهم أم لا، سواء اعترفوا بذلك أو اكتشفوا فقرروا دفنه بين ثناياهم وانتهينا.
  
  تكتب: لماذا أنا بالذات؟ لماذا لا يدركون؟ ترفع القلم الأزرق من على صفحة المفكرة الكبيرة و تقلبه وتنقر به على زجاج المكتب مرات غير متناهية. لماذا الآن؟ ترفع القلم ثانية، وترجع يدها اليمنى إلى الوراء وترمى بالقلم بعيدا فيرتطم بباب الغرفة المغلق و يستقر على الأرض، ثم تزيح المفكرة من مكانها و تقرب إليها حاسبها الشخصي، تشغله بسرعة و تبدأ فى الكتابة مرة ثالثة. أنا آسفة، تُحتم على رغبتي الملحة الاعتذار ولا أعرف لمن أعتذر تحديدا. بالأمس انفجرت فتناثرت ولم يتبق مني سوى فتات مشتتة متفرقة على أرضية من أشواك، أريد أن أضم حطامى الى ولا أستطيع. تتزايد ضربات أصابعها على لوحة المفاتيح مع تسارع ضربات قلبها. أردتُ أن أقتلنى فذهبت إلى دورة المياة و أغلقت الباب و أغلقت عيني لأفعلها، بهذه البساطة. كانت الضغوط بالداخل تزحف لتلتف حول بقايا الرغبة فى الحياة و تعصرها لتخنقها. فى المرة السابقة سمعنى الباب وأنا انتحب، وعرفت ذرات الهواء أني اختنق، وشاهدت الحوائط دمي،  وسمع من هم بالخارج بكائي، فى المرة السابقة سال الدم رغما عن أنفى النازف مطيعا أوامر الجسد الذى لم يكن ليتحمل المزيد فاختار أن يعبر بالدم. أردت هذه المره أن ينتهي كل شىء، أردت أن أنهي كل شىء.

  يجلس ووجهه مواجها لوجهي عمدا، يتحدث بعينيه طوال الوقت، يحرص على التعليق على كل ما أقوله وسط المجموعة وإن لم يوجه الحديث مباشرة الي، وعندما وجهت أنا اليه وحده الحديث لم يرد، زاغ بصره، نظر الي ولم يرني. انسحبت بهدوء مصطنع و لملمتنى و أخذتنى على دورة المياة، و فى دورة المياة جلست فبكيت. بدأ الثعبان في الزحف و بدأت القطة فى التمرد، لم يكن اليوم فقط سيئا بل كان اليوم وأمس وأول أمس، الأيام جميعها صعبة حتى أني لا أتذكر منذ متى تحديدا، ولأننا نعتاد السىء يحدث الأسوء فنعتاده ولإننا نفضل الموت على أن نظهر أمام الأعين ضعفاء فنحترف لعبة الأقنعة، ضع قناع العمل و قناع الشارع فى الصندوق فوق الثلاجة، ولا تخلط بين قناع الأفراح وقناع المآتم، ولا تنس قناع الابتسام فى الصور، واحفظ جيدا القناع الذى تخلع بعده قناعيين آخرين أو ثلاث حتى تصل إن استطعت إلى الوجه الذى نسيت أو تناسيت ملامحة: وجهك. وإن كانت ملامح الوجه تقبل أن توضع فى قالب الأقنعة فتُمحى فإن ملامح النفس المرفرفة تكسر بجناحيها أى قالب مفروض عليها لتظل حرة، فى هذه المره ظلت ملامح نفسى حرة.

  كان يوما عاديا مملا حتى رأيتها، جاءتني نوبة ضيق تنفس مرة آخرى اليوم وبعد أن إستخدمت بخاختى لتهدئة رئتي أسرعت لأجدها ولأعتذر لها عما لم يبدر مني، اُصبت بضيق التنفس في اللحظة التى بدأت فيها معي الحديث، لا أقصد أنها تسببت فى اختناقى، بل كانت اللحظة التى أسعى اليها منذ زمن. لماذا الآن يا رئتي؟ وجدتها تمسك بحقيبتها على كتفها الأيمن وتضمها ناحية صدرها كأنها تستمد منها الأمان، لم تنظر الي ولم تتهادى فى مشيتها بل سارت بطريقة غريبة عليها فمرت من أمامي مسرعة ومتخبطة. مشيتُ على مهل لأعطيها فرصة لتجفف دموعها أو لتخفيها كما تحب، أنا محظوظ بشكل كاف يجعلني أعرف وجهتها، وجدتها جالسة أرضا في الحديقة أسفل المبنى فنزلت بجوارها دون تردد ودون تفكير، وبالرغم من أني أردت الجلوس مواجها لها لم يسمح المكان بهذا كما أني لم اُردها أن تهرب لا من عيني ولا من المكان ولا مني.

- أنا مكنتش أقصد إني مردش عليكى، اللى حصل إني...
- عادي
- بجد مكنتش اقصدها متزعلـ....
- ولا يهمك

   يخبر الإيشارب المزركش بالدم الملفوف على معصمها أهم جزء فى الحكاية، لم أكن لأستوعب فى البداية أن كل هذه الرقة الأنثوية الكائنة فيها يمكن لها أن تفعل هذا بها، أما أنا فكاد الشعور بالذنب أن يقتلنى.
- فى مستشفى قريبة منهنا، يالا بينا؟

   ظننتها ستكابر وسترفض لكنها استجابت. في المستشفى لماذا يسأل الطبيب عن سبب الجرح وهو يعلم؟ لماذا ينظر إليها على أنها خطر كامن وكائن بمجرد وجودها فى الغرفة؟ لماذا ينظر الي بشفقة؟ يدفعني الشعور بالذنب دفعا لمعرفة السبب وراء فعلتها تلك وبدأ في التلاشي شيئا فشيئا عندما قررت أن تُطلعنى على الأسباب وراء ما اقترفته بحق نفسها، وبحق رقتها، وبحق  يدها الجميلة. وبذكر الأيادي طلبت منها أن تتزوجني فرفضت، ظننتُ أني بذلك أمنحها ولو قليلا من أمان تحتاجه لكني كنت أحمق للمرة الثانية على التوالي فتسبب تسرعي على ما يبدو فى زيادة الضغوط بداخلها، إبتعدت هى فابتعدتُ تباعا، إختفت هى وكالعادة وجدتها.

   كنت ابتعد بقدر ما كنت أحتاجه، وبقدر مسافة البعد كان تفهمه للوضع، أعطاني رواية وكتبا عن شىء ما يسمى اضطراب الشخصية الحدية. ألقيت نظرة سريعة ووجدت فى أحد الكتب الذى أعطاني إياها أن اضطراب الشخصية الحدية ذلك هو نمط من أنماط تقلب المزاج وتقلب صورة الذات ويستدل عليه من الغضب الشديد غير الملائم للموقف وأذية النفس والإكتئاب.
- اضطراب الشخصية الحدية؟ الحدية بتتنطق إزاى؟
- حدية من حد، من حافة، الحافة اللى بتدفعك ليها اللخبطة اللى جواكى فترمى القلم أو تكسرى كوباية أو...
- أنا مريضة نفسيا؟!
- كل حاجة ليها اسمها،  إحنا بس اللى مكناش نعرف وأما بنعرف بتتكسر شوية حدة الحاجة
- بتقول حكم حضرتك!

  عندما يكون المريض أكثر ثقافة وتفتحا من الطبيب تحدث معجزات، كان بإمكانه اخبار طبيب المستشفى عما فعلته أنا ولكنه لم يفعل، ما فعله هو أنه جعلني أتعرف على ما أواجه، الثعبان الزاحف بداخلى هو اضطراب كاضطراب الأمعاء وكاضطراب الدورة الشهرية، شيء عادي واعتيادي لا يستدعى لا السرايا الصفرا ولا الخوف. شفيت من الاضطراب المدعو هكذا بالمعرفة.

- أنتِ شخصا مختلفا يريد أن يكون مثل الآخرين
- وهل الرغبة فى الاختلاف مرض خطير؟
- تكون الرغبة فى الاختلاف مرضا عندما تجبرين نفسك على أن تكوني كالآخرين
(1)

  أحببتها ولم أستطع الزواج بها، إلى هنا هو أمر شائع الحدوث يتسبب فى أرق ووجع فى القلب أحيانا لكني حولتها إلى أدب كي أشفى منها كما شفيت هى. أشير إليها بـ(هى) لإيمانى بأنها جزء من أعماق أحدهم سواء أدركوا ذلك أم لا، أهديتها إلى كل من يلتف الثعبان حول عنقه أحيانا سواء تعرفوا على هذا الجزء منهم أم لا، سواء اعترفوا بذلك أو اكتشفوا فقرروا دفنه بين ثناياهم وانتهينا.

                                                                تمت.


 (1) من رواية فيرونكا تقرر أن تموت بتصرف