الأربعاء، 25 يونيو 2014

لجين مرة أخرى


  

 عُدت لأكتب لكِ يا حبيبتي الصغيرة التي أفتقد الكتابة لها. ألم أخبركِ أنك ستسكنين رسائلي لفترة؟ أحيانا رغم ضجيج الحياة، وكثرة الناس في حياتي- العابرون منهم وأولئك الذين اختاروا البقاء فيها- لا أجد من أحادثه سواكِ أنتِ. لا أستطيع أن أعيد تجميع أجزاء البازل التي تتناثر يوميا - في عالم ليس لطيفا جدا للتواجد فيه- إلا أثناء عملية الكتابة إليكِ. الأمور تبدو أوضح أحيانا، وأقل تعقيدا دائما خلال الكتابة لكِ يا لُجين.

  لُجين.. لماذا اخترت لكِ اسم لُجين يا صغيرتي؟ عندما آخذ تساؤلي هذا وأرجع به وبالزمن قليلا إلى اللحظة التي تخيرت لك فيها هذا الاسم  أجد أنني ربما اخترته لأن طريقة نطقه موسيقية، فيجبر اسمك ناطقه على تليحنه. هل تستطيعين أن تسمعيه؟ لُــــجـــــيــــــن. أو ربما اخترته لأنه  لن يمر مرور الكرام، فسيتوقف ناطق اسمك بعقله ووقته ليتأمله وإن لم يفهم معناه، أو ليحاول أن يدرك معناه وإن أخفق. أو ربما لأنني عندما أهديكِ يوما خاتما من فضة سأستطيع أن أقول لكِ "أهديكِ خاتم من لُجين للُجين" فأثير فيكِ ذكائك اللغوي وأستدرجك معي للعب بالكلمات. أو ربما اخترته لأنه اسم جميل وكان هذا سببا كافيا لي حينها.

  تستطيعين أن تلاحظي أن أمك شاعرية جدا، ولن تمنعك ملاحظتك عن التساؤل  عن سبب اهتمامي باسمك كل هذا الاهتمام. يقول العرب منذ القدم إن لكل شخصٍ من اسمه نصيب. وأنا أتمنى أن يصيبك نصيبك منه إذا وقع الاختيار عليه،  فيشارك معدنك معدن الفضة في صفاته. فلا أراكِ تكبيرين أمامي وأنتِ قابلة للطرق تحت تأثير الأزمات وحسب، ولكن أتيقن أنك قابلة أيضا للصقل بخبرة الحياة على كثرتها واختلافها، وأن تكوني مثلها موصلة جيدة للحرارة بدفء روحك وبياض قلبك. وإن لم يقع الاختيار عليه فسأحرص يا حبيبتي على أن يصيب الاختيار اسما جميلا يليق بكِ. ولتعلمي أنه وإن لم يعجبك سأدعمك في تغيير اسمكِ إن أردتِ. لا أريد منكِ أن تعيشي مع اسم تحملينه وأنتِ تكرهينه. أمك ليست مثالية يا لُجين، واختياراتها ليست صحيحة دائما. قد نختلف كثيرا أنتِ وأنا، وقد لا يروق لكِ ما يروق لي، لكنني أحبك.


  قد تتخيلين أنني سأقول لا، لكنني لن ارفض لكِ طلبك إن أردت السفر خارج المدينة التي نسكن بها. أنا لا أخاف من تصرفاتك، ولا من عواقبها، لكنني لا أتخيل أن  تمشي قطعة من قلبي لتبيت بعيدا عني. أريدك قريبة. أريدك هنا. أريد أن أراكِ تذهبين وتجيئين وتملئين حياتي بالسعادة يا فراشتي. أريد أن أضمك إليّ وقتما تشائين ووقتما أشاء. ستكونين لي في هذا الحين مصدر بهجة، وشعاع نور، وطاقة فرحة فلا تكسري قلب أمك وتطيلين الغياب والسفر.  

  تذكري يا حبيبتي أنني أستطيع أن أمنعك من وضع يدك في مكبس الكهرباء حتى لا تصعقي. وسأبعد يدك الملوثة عن فمك حتى لا تتأذي. و سأحاول أن أمنع عنك ما قد يصيبك بأذى قبل حدوثه، كنت أتمنى أن يظل الوضع هكذا، لكن مواجهتك أنتِ مع معنى الأذى في العالم تبدء عندما تخونك قدماك فتسقطين على الأرض الشريرة. اكشفي ذراعك الأيسر وانظري إلى مكان الجرح الذي أصابه عندما سقطتِ وأنتِ تلعبين. لازال أثره موجودا، أليس كذلك؟ لن أستطيع أن أضمن لك بأنني سأنقذكِ دائما قبل ارتطامك بالأرض، ولكنني أعدك بأنني سأكون هنا لأضمك إلى صدري ولأضمد جراحكِ.

 ستكبرين وترتطمين مرات لا حصر لها. ولن أستطيع أن أحبسك وراء لوح زجاجي تشاهدين الحياة دون أن تعيشينها. عليكِ أن تتفهمي أنه للعيش ضريبة تكون خدوشا وجروحا ستعودين بها. ربما سيُشفى بعضها، ولكن بعض الجروح لن تُشفى أبدا. وأثر كل ما سيحدث لكِ لن يذهب. كل شيء يحدث لنا يترك أثرا في الجسد أو في الروح  يا حبيبتي. تذكري أنكِ قوية يا حبيبتي. أنتِ قوية. ستعاودين للوقوف على قدماكِ مرات أكثر من المرات التي خانتك فيها القدمان نفسهما. تمردي. تمردي على خوفك قبل خوفي. أنا لا أخشى تمردكِ ولكنني أخشى أسئلتك.

 ستسألينني أحيانا عن أشياء بديهية أخذتها أنا من المسلمات لوقت طويل دون أعرف السبب. ستسألينني منذ أن تتعلمي الكلام عن الماورائيات، وعن كل شيء تقع عليه يدك الصغيرة و كل شيء تراه عيناكِ الجميلتان. ستسألينني  من الله؟ وأين هو؟ ولماذا أنتِ هنا؟ وأين يذهب الموتى؟ ومتى سنقابلهم مرة أخرى؟ ولماذا ماتوا؟ وماذا يعني القدر؟ وكيف أصبح الكون كونا؟ وكيف جئتِ؟ وما إذا كان الدولفين يلد أم يبيض؟  وأنا لا أملك كل الأجوبة يا حبيبتي. ولا أقنع بالإجابات التي بحوذتي والتي حفظتها عن ظهر قلب في المدرسة. أنا لازلت أبحث عن الأجوبة. وأتمنى أن اهتدي لها قبل أن تنيري أنتِ حياتي.

 ستعودين يوما ما تبكين عندما تقول لك مدرستك الغبية أنك لست بنتا صالحة. وسأقول لك حينها  قبل أن تتأثري بأراء الناس وبكلامهم عليكِ أن تفرقي بين من يريد نصحك وبين من يريد هدمك وبين من يريد أن ينفس عن مرضه. وعليكِ أن تحافظي على تعريفات الأشياء في رأسك. من هو الإنسان الصالح؟ هل هي المدرسة التي عندما تنظر إلى طالبتها لا ترى إنسانة ولكنها تراها على شكل ورقة فئة المئة جنية؟ هل الإنسان الصالح هو الذي يصلي الفروض الخمس، ويستغل مجهود موظفيه في العمل لأن لديه منصب أعلى؟ هل هو الشخص الذي تعكس تصرفاته قلبا تأكل فيه الكراهية وتجعله يزحف كالثعبان ويؤذي من حوله في الخفاء؟ هل الإنسان الصالح هو من يشهد له الناس بالصلاح؟ ماذا عن قلبه؟ ماذا عن أعماق روحه؟ من هو حين يكون وحيدا؟ من هو خلف الأبواب المغلقة؟ أصالح هو حين لا ينظر الناس؟ كل ما أعرفه أن حدسك سيعرف لك الصلاح. ستشعرين داخل قلبك بالأشياء وصلاحها. سيفرق حدسك بين ألوان الناس والأفعال. ثقي بحدسك يا حبيبتي. أحيانا لن تملكي سواه. 

 لن أتوقف عن الكتابة لكِ. قد تطول المدة بين الرسالة والأخرى لكنني لن أقطع رسائلي. هناك الكثير الذي أريد أن أخبرك عنه. وإن وجدت شيئا غير واضحا لكِ تماما عاودي القراءة. أعلم أنكِ ذكية وتفهمين ما وراء الكلمات. أريدكِ أن تعرفي أنني أفكر بكِ، وأحبكِ.