الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

دمى الظلام





تختنق الغرفة لقلة ذرات الهواء التي تعاني أثناء دخولها من النافذة الضيقة. تلفظ جدرانها الباردة من يدخلها. وتختنق الدمية التي ترسل نظراتها للمراقبة. عيناها الباردتان كالغرفة تراقبان الجميع في صمت وحذر. تجلس كقطة تراقب فتلاحظ فتصدر الأحكام. تسخر من سائر الدمى في رأسها لأنها ترى ما لا يروه. تهزأ بهم لأنها تعلم ما لا يعلموه. جميعهم مرضى نفسيون. ليست المشكلة في مرضهم، لكن المشكلة في أنهم لم  يتوقفوا للحظة ليتسائلوا إن كانوا أسوياء أم لا. وإن وصلوا إلى مشارف الاعتراف تراجعوا و أنكروا. ولم يحدث قط أن تفكروا في أسباب مرضهم. ولم يسعوا -حتما -إلى علاج أنفسهم وإلا لما كانوا مسخا هكذا.


  تتوجه عينا الدمية إلى الضحية الأولى والأخيرة، تركز على أكثر الفتيات حدة في المكان وترسم حولها دائرة حمراء لتضعها في بؤرة الصورة. للدمية عيون تمكنها من رؤية الخيوط البيضاء السميكة المربوطة بيدي المرأة والخيط الملفوف حول عنقها.  يتحكم أحد الخيوط في شفتها السفلى فيتسبب في غياب ابتسامتها بشكل تام. تبتسم الدمية فتستنكر الحادة ابتسامتها لعجزها. فتتأمل الحادة عفوية الدمية في إنبهار من يرى الشمس للمرة الأولى، ويتحول الانبهار لسخط، ويصبح السخط بدوره طاقة سوداء من الحقد. يمسك خيطان آخران بجبهتها ويشدانها إلى أعلى ليجعلا من وجهها أكثر عبوسا فتبدو علامات الشيخوخة جلية على وجهها بالكامل. وتشد بعض الخيوط أجفانها لتتسع عيناها لتكون أكثر حدة وجمودا. 


  تتوقف عينا الدمية عن التصوير وتبدأ في الضحك . تسائلت في رأسها ماذا ستفعل لو رأت الحادة نفسها بنفسها وهي خاضعة للخيوط. تستمر الدمية في ضحك هستيري. لكل خيط صاحب. فخيط المجتمع الملتف حول عنقها أكثرهم سمكا. ويتكون خيط مشاكل نشئتها من خيطان مزدوجان حول اليد اليمنى. ويتشابك خيط الوحدة مع خيط الاحتياج العاطفي فيلتفوا حول باقي الجسد فلا تستطيع التفريق بالعين المجردة بينهم.  تمتد الخيوط البيضاء الطويلة للأعلى. كلما رفعت رأسك معها تراها مستمرة في الصعود. تستمر عيناك في الصعود بالنظر حتى يؤلمك عنقك فتقرر إنزاله.  في طريقك إلى الأسفل سترى النقطة التي تلتقي بها الخيوط تماما في الصدر.

  يتلاعب الظلام الحالك القابع في دواخلنا بالخيوط، و يحركنا كما يحلو له. يقتات الجانب المظلم من النفس على الخوف. والخوف ظلام. نخاف من فتح النوافذ، ونخشى تمرير شعاع النور إلى الداخل. نقضي سنوات عجاف من أعمارنا في لعن الظلام منتظرين وصول النور، ولكننا لا نحاول الوصول إليه ولا الاقتراب منه أو حتى السماح له بالدنو. نصل دائما متأخرين لأننا نتأخر في إدراك وجوده. نستوعب متأخرا أن اقتراب النور يعني استعدادنا للتخلي عن الظلام. لا يمكن الجمع بين النور والخوف. فإما نور وإما خوف. الظلام منطقة أكثر أمنا لأننا نعرفها. النور منطقة جديدة، تتخلى _أو تنوي التخلي_ في طريقك للوصول إليها عن أسوء ما تحمل بداخلك: الظلام.


 هناك قلوب مباركة تتملص من قبضة الخيوط والظلام والخوف. وكان قلب الدمية من القلوب المنيرة التي تتنبأ سلفا بما سيحدث. للقلوب أصوات تعتمد قوتها على مساحة النور بداخلها. تستشعر القلوب بأن سعادة اللحظة مؤقتة فتجعل منها مصدر للسعادة الدائمة. يخبر النور القلب بأن اللحظة التي أنفق عمرا من عمره  ليكون جاهزا عند استقبالها قد حانت.  فلتحكم قبضتك عليها أيها القلب. فلتترك نفسك للنور حتى تكسر الدمية التي تحبس روحك وراء برودها. فلتحب حتى يدميك حبك. فلتغتسل بالدموع حتى تتطهر. فلتترك للنور حرية الانعكاس على جدرانك. في نقطة ما في المستقبل القريب أو البعيد - إن كنت تملك الشجاعة الكافية- ستعترف لنفسك بأن السعادة كانت هناك بالفعل. اكتملت في نقطة الوقت التي ظننت حينها أن السعادة لم تعثر لك على طريق بعد. أيها القلب فليساعدك النور في أن تجد في ضيق المدينة براحا، وفي خنقتها هواءا، وفي وحشتك أنيسا. فليساعدك النور في تقطيع الخيوط قبل التفافها حولك. 


الجمعة، 8 نوفمبر، 2013

المراية



 أفتح حقيبة يدي لألتقط المرآه المرمية بإهمال في أحد أركان الحقيبة لألقي نظرة سريعة على ما يظهر للناس مني. تبدو المرآه قديمة و قد تخربشت رسومات غطائها المعدني،  وأصبح زجاجها منطفأ. ما فائدة المرآه إذا بهت زجاجها؟ لذلك تركت مقعدي وسرت نحو سلة المهملات في آخر القاعة وهمت يدي بالقائها، لكنى توقفت مذهولة من حقيقة أنني لازلت أحتفظ بالمرآه ذاتها منذ سبع سنوات! منذ سبع سنوات وهي في حقيبة يدي أينما ذهبت. كيف لي أن أتخلص من انعكاس صورتي في أول مرآه أبتاعها لنفسي وأنا لازلت مراهقة تسحب من حقيبة مدرستها المرآه الجديدة لتتأمل وجهها تحت الدكة؟! نسيت بعض من ابتساماتي بذاكرة هذه المرآه. وبعض من الدموع التى تساقطت عليها ولازال أثرها حاضر. لا أدري لماذا كنت أضع المرآه أمامي وأنا أبكي! كنت أبكي أكثر عندما أراني أبكي. أبكي مرة بسبب ما لم تسطع نفسي تحمله، ومره لأني لا أستحق البكاء لكن يجري من عيني نهر من الدموع على أية حال.

 كانت أمى ترفع صوتها في غضب وأنا صغيرة قائلة "لا تنظرىي فى المرآه كثيرا حتى لا يصيبك الجنون". وترد عليها جدتي "دعيها تدرك جمالها". أبكي وتأخذني جدتي بعيدا عن أمي وتجلسني كلعبة على ركبتيها وتمسح على رأسي وتردد وهى تقبلنى أني خُلقت للعب وللضحك. وتُخرج مرآه لا أدري من أين وتمسك بها أمام وجهي وتتدغدني حتى أضحك، وتطلب مني أن أنظر جيدا إلى مرآتها وتنظر هي بعينيها إلى انعكاس عيناي وتخبرني بأن أحتفظ بهذه الضحكة قدر ما أستطعت. ونسيت أن تحذرني من مرآة الحب العمياء. ليتك هنا يا جدتي لأسئلك أين تلك المرآه؟ هل تخلصتي منها مع ملابسي الصغيرة؟ أم لازالت في مكان ما في بيتك الدنيوي مدفونة مع ما قصصته لي من شعري؟ 


قالت لي المراية
تغيرتي عليي
كبرتي متل الحكاية
وشفناكي صبية

تاري البنت مخباية
مخباية بالمراية


ولما قال لها يازغيرة
تحليتي وصرتي كبيرة
صارت تبكي الحلواية
وتضحك تضحك المراية


 وأنا في طريقي إلى أن أكبر سألتني أمي ذات مرة "ماذا ترين في المرآه؟"  أنثى تسعى للكمال كان جوابي. وجاء ردها بأن تلك الساعية للكمال ستدمرني يوما. لم أعد أسعى للكمال يا أمي. ليس لأنني خائفة من أن أٌدمر لكن لأنني وجدت الجمال في النقص وتقبله. أما عن التدمير فأنا أعتقد أن رأسي كفيل بإصابتي بسكون تام يلحقه سكون أبدي. وحتى تلك اللحظة سأظل أتسائل ما الفائدة؟ ما فائدة المرآه إن كان ما يعني حقا هو جمال الروح؟ ما فائدة جمال الروح إن لم تعلن عن نفسها بموسيقى أو برسمة أو بكتاب؟ ما فائدة الكتابة إن لم يقرأ أحد؟  ما فائدة احتفاظي بالمرآه سوى انها محاولة للتمسك بزجاجها المحبوس بداخله سبع سنوات من عمري.

الأحد، 8 سبتمبر، 2013

خاتم النقاء



حبيبتي لُجين،

  دعيني أصارحك القول بأنني أرتاح كثيرا بمكاتبتك. يبدو أنكِ ستسكنين تدويناتي لفترة ليست بالقليلة. أدعو الله أن يرزقني بكِ حتى تقرئي ما أكتبه لكِ قبل حتى أن تأتي أنتِ إلى الحياة. وأدعو الله كثيرا أن تنيري لي هذه الدنيا، وأن تلامس قدماك الصغيرتان أرضٍ لا تشبه هذه الأرض في شىء. وعندما تسألينني عن اًصولنا سأقول لكِ حسبنا أننا ننتمي للفطرة وللغتنا العربية وللإنسانية، ولن تكوني مضطرة لسماع أغاني مبتذلة تُمجد في الفطرة والعربية والإنسانية. عندما يكون ترديد الأغاني الوطنية ترديدا أبله كل ما يملكه أهل وطن ما فأعلمي أنهم لا يجدون شيئا حقا ينتمون إليه. حتما ستزورين هذا البلد يوما وستدركي وحدك أنه بلد ميت ظالم أهله لا يوجد به سوى القبح والعفن، بل يوجد به أكثر لكن كلمتي القبح والعفن تلخصان ما تبقى وتتضمناه بين معانيهما. 

 لم يسلم حتى الحب هنا حيث أعيش من العفن.  أعرف أن الحب والعفن لا يمكن لهما أن يجتمعا في الجملة ذاتها. أسفة يا بَنيتي فالواقع يحتم عليا أن يكونا مقترنان وألا يتفارقا مادمنا نتحدث عن الحب في أرض العفن. إذا قَدر لكِ أن تعيشي هنا فلا أُريدك ساذجة فتنخدعي بكلام أهل أرض العفن عن أنفسهم بأنهم شعب متدين. هم لا يعرفوا من الدين سوى كحك عيد الفطر وياميش رمضان. المظاهر خداعة فلا تنخدعي بمظهر إنسان قط، ولا تستعجبين من أمتار القماش التي تلف شعر الفتيات وأجسادهن والتى تُنزع بتواطؤ صاحبتها -إن لم يكن بإرادتها- وقت خلوها بمن تسميه الحبيب. فقد الحجاب دلالته الدينية هنا فأصبح الزي التقليدي للفتيات تماما كالكيمونو الزي التقليدي للفتيات اليابانيات. لذلك لا تندهشي من وضاعة بعض المتحجبات في أرض العفن ولا تغمضي عينيكِ في الوقت نفسه عن نفاقهن. الحجاب كما تراه أمك حماية وعامل مساعد على حفظ الروح. أُريدك محمية وأعلم أنك بفطرتك ستهتدين إليه. ولا تُنكر أمك الحجاب ولكنها تقدم لكِ نقدا لصورته الدارجة حيث تعيش. أُريدك أفضل حالا من أمك لذا أطلب منكِ أن تقبضي على حجابك كجزء من هويتك تماما كالعربية يا لُجين. 

 إنه لمن القبح ما يرددنه الفتيات هنا على مسامع بعضهن من منطلق التمدن، ومن القبح ما يفعله أشباه الرجال بفتياتهن من منطلق الحب. لا تستمعي إليهن إن كان عليكِ العيش بينهن. ولا تثقي برجل ينتمي لهذا لشعب المتدين بطبعه إن سمح لنفسه بأكثر مما يستحق فيكِ مُبررا أنكما على وشك الزواج، أو حتى مبررا بأنه يحبك. طوبى للغرباء يا حبيبتي. قولي له في وجهه بلا كل هالمسخرة وارفضي. لملمي نفسك وأحتضني روحك وارحلي.


يا لُجين، إذا كان يرتدي خاتم النقاء في  يده اليسرى فتزوجيه، وإذا أهداكِ خاتم النقاء في احتفالكما الأول بعيد ميلادك فتزوجيهفى بلاد الغرب المارقة يختار بعض الفتيات والفتيان أن يرتدوا خاتم النقاء محفورا عليه عبارة "الحب الحقيقي سينتظر" في أوسط يدهم اليسرى ليعبروا عن نقاء علاقتهم بمن يحبون. فلا يحاول أي من الطرفين دفع العلاقة في طريق وعر يستعصي على الروح غير الملوثة قبول سلوكه. هذا في بلاد الغرب المنحل. أما عن بلادنا التي يكون بها نقاء العلاقات شىء من المسلمات تتلوث فيها الروح جزءا فجزءا فتماما فكليا. ولا يمارس بها أحد النقاء إلا من رحم ربي. الجميع يخطف من الجميع والوقت ما يمكن خطفه، وإن حاولت الحفاظ على المتبقي منك سينعتوكِ بالصفات البشعة جميعها. طوبى للغرباء يا حبيبتي.

تذكري يا لُجين أن الحب يجعل من الإنسان أجمل، ومن الروح أسمى، ومن القلب أنقى وكل ماعدا ذلك هو قناع براق يستسهلون فيطلقون عليه حبا. دعيهم يسمون ما يعيشونه حبا وراقبي في صمت حتى يأتيكِ اليقين. راقبي كيف يتلوثون ويفقدون نقاء الروح والجسد. تذكري أن الحب يوطد الصلة بين الإنسان وبين الله. وأنه يَعين على الحياة، لا يزيد من أعبائها. وتذكري أن الإثم هو ما حاك في الصدر وخاف أن يطلع عليه الناس. وتذكري أنه ليكون جديرا بأن يكون فارسك المقدام عليه أن يحميك من نفسه أولا. وتذكري يا حبيبتي أن ترتدي خاتم النقاء حتى تتذوقي فرحة ارتداء خاتم زواجك من غريب مثلك ومن نقي يشبهك. آسفة لإخبارك بأنه حتى تجدينه سيتعين عليكِ دفع ضريبة إختلافك. فصبرٌ جميلٌ يا لُجين.

السبت، 27 يوليو، 2013

كل اللى بحلم بيه



 من المفترض أن أدون اليوم عن الأحلام. للوهلة الأولى رأيته موضوعا مبتذلا عن الأحلام مرة آخرى! الأحلام التى نظن أننا نحفظها عن ظهر قلب، الأحلام التى من المفترض أن تكون دافعنا فى هذه الحياة اللطيفة، لكننا وفي يوم ما نجد أنفسنا نحتمي بفراشنا ونشد علينا غطاء السرير لنخفي وجوهنا لنجد أنه لم يعد لدينا ما نستيقظ لأجله ولم يعد لدينا ما نغادر فراشنا بسببه، وأن هذا اليوم هو الكلاكيت الخامس بعد المائة لأمس الذي كان بدوره الكلاكيت الرابع بعد المائه لأول أمس.  أفتح عيناى لتقع على الغرفة لأجد كل شيء كما هو فى مكانه، ويزعجني صوت المنبه مرة عاشرة ليذكرني بوجوب ارتداء ملابس العمل كالأمس وبضرورة الجلوس على المكتب نفسه كأول أمس وبحتمية الرجوع الى المنزل كأول أول أمس وباعتيادية النوم في التوقيت ذاته كالأسبوع الفائت لافتح عيناى صباحا لتقع على الغرفة التى أجد بها كل شيء كما هو.

 يمكنني سماع غطاء السرير الذى أشده بقوة لأغطي به وجهي وهو يسألني عما إذا كان ما أنا فيه فى هذه اللحظة هو ما كنت أحلم به. أيمكنني أن أمنع هذا السؤال من الدوران فى رأسي؟ متى أصبح كل شيء مملا لهذه الدرجة؟ ألم أقسم يوما ألا أسمح للحياة بوضعي فى القالب النمطى؟ ألم أسخر من الكبار لأنهم مملون ومتشابهون؟ لقد نسيت أحلامي وسط الزحام من الأساس وأصبحت أنا أيضا نسخة من نسخة من نسخة. أصبحت كل ما كنت أكرهه وتخليت عن كل ما كنت أحبه فى نفسي. أخذت الحياة مأخذ الجد وقد كنت عاهدت نفسي يوما أن أستمتع بها قبل أن أموت. أنا ميتة وسط أموات يظنون أنفسهم على قيد الحياة.

 أوهمتنى الحياة أن أحلامى الإنسانية أحلام ساذجة لم تعد مجدية، وأن على أن أكف عن التصرف كالحالمين.  صفعنى الواقع مرتين عندما كنت أحلم بأن أجد وجوه الناس فى المواصلات العامة مبتسمة فزاددت الوجوه تجهما، وعندما ظننت أني سأجد من يشاركني في ملاحظة الأمر وبالطبع لم يحدث. وبعد أن كنت أظن بأن رؤية وجها مبتسما فى الصباح حق بديهى من حقوقي في العيش أصبح وجهي أنا عبوسا. وارتطم حلمي بأن أكسب عيشي من مهنة أستمع بها فأصبحت مدفونة تحت مكتب عملى. أتعجب من نفسي البلهاء التي كانت تؤمن ذات يوم بأنه "لا يوجد في هذه المكاتب سوى موت مدقع"، متى أصبحت أنا التى لا أحبها؟  حتى الحب الذي لم أكن أريد منه سوى مقعد خشبي أتقاسمه مع المحبوب، ووردة يعطيها لي بلطف، وحضن يحتوى ضعفي الخفي عن الأعين، حتى الحب خذلني وظهر أكثر تعقيدا مما كنت أظن.

  الأحلام؟! التفاصيل الإنسانية  البسيطة التى تنسجها روحنا هى أحلامنا. أعلم اليوم بأن النافذة الزجاجية النظيفة التى تطل على حديقة صغيرة لن تكون أول ما تستقبله عينى عندما أستيقظ. وأعلم أنى لن أستمع لزقزقة العصافير بدلا من المنبه. وأعلم أن شعاع الشمس الصباحي لن يدخل من الشباك الخشبي  ليبث الحياة من جديد في الغرفة بعدما قام الجيران بتعلية البناء المقابل فحجبوا بذلك أشعة الشمس عن غرفتي. وأعلم أني لن أربي نباتات خضراء أو قطة فى المنزل لأن أمي تكره النمل والقطط. وأعلم أنى عندما أريد البكاء لن أجد كتف رجل أغرقه بدموعي وبذلك لن أذهب الى مكان آخر سوى دورة المياة. وأعلم أن الكتب وحدها هى رفيق الليل والفراش. وأعلم أن من جميع الرجال المحيطين بالقشرة الظاهرة لا يوجد واحد محب لمن هى بالداخل. وأعلم أني لن أجد ورودا ملونة في الطرقات، ولن أجد صحيفة تستحق القراءة، ولن أحتضن من أريد وقتما أريد دون أن يتم تأويل تصرفي بسوء، ولن أجدني في مكان آخر لازال يعيش به بشر أحياء.

ألازال من المفترض أن أدون اليوم عن الأحلام؟!

الثلاثاء، 2 يوليو، 2013

عم يسألوني عليك




  لأننا كبشر جد أغبياء لا ندرك قيمة ما بأيدينا إلا بعد فقدانه. هذه حقيقة معروفة و مقولة مكتوبة على جدران الشوارع وعلى حوائط البيوت وحتى على الألواح الزجاجية لسيارات الأجرة. وعندما يتذاكى أحدهم ويكرر بينه وبين نفسه أنه ليس ضمن صفوف الأغبياء يفيق على صفعة غباء الآخرين الذين كنا نحسبهم مختلفين يوما ما. ولأن (حياة) كانت تحسبه مختلفا صفعها غباؤه على وجهها وصفع ذكائها المتقد واطفأ شيئا من حيويتها. كانت تعرف ما الذي تريد. وكانت تريده هو بالتحديد. عندما أدركت (حياة) يقينا أنه ينتمي لعالمها وأنها تنتمي لعالمه كان المشي على الجمر أهون عليها من تركه يضيع سدى. لم تكن ستتركه بسهولة بين يدي فتاة خرقاء بلهاء لا تفهمه ولن تحاول على الأرجح. يكفي تلك الفتاة البلهاء أنها ستوقع به في شباكها لتفوز بلقب "فتاة مخطوبة" لرجل وسيم تتباهى به أمام صديقاتها. كل شيء عدا ذلك لا يهم البلهاوات وما أكثرهن. لم تكن (حياة) تحاول لفت انتباه (باسم) إليها ولم تكن تحاول إثبات وجودها في حضوره فهو يكاد لا يرى سواها، ثم أن كبريائها لم يكن ليسمح لها بأي محاولة عابثة من هذا القبيل. كلٌ له نصيب من اسمه و(باسم) كان بريئا دائم الابتسام. 


                                           نطرتك أنا قبل الشتي وبعد الشتي بشوي... 


  لم يكن (باسم) المبتسم مدركا تماما أن (حياة) تنتمي لعالمه وأنه ينتمي لعالم (حياة). ولأن (حياة) كانت على يقين بأن الحياة أقصر مما تتخيل لم تكن ستتركه لحال سبيله. لم تكن ستتركه دون حتى أن تحاول. فكرت كثيرا أن تخبره، لم تكن ستخبره بأنها تحبه بالطبع! لكنها كانت ستطلب منه أن يفتح عينيه قليلا ليرى كيف أنهما يضحكان من الشىء نفسه وكيف تسبب الأشياء البسيطة لهما نوعا من السعادة وكيف أنهما يرفعان شعار "الحياة قصيرة" فيحاولا زيادة انتصاراتهما ولو كانت صغيرة قدر المستطاع. حتى أنها شاركته في سماع أغنيتها المفضلة ونظرت اليه طويلا عندما يغني "ستينغ"  Oh can't you see you belong to me  وهى العبارة التي تلخص موقف (حياة) تجاه (باسم) بطريقة مثالية. وكأنها تسأله ماذا يظن بشأن هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس؟ لكنه لم يستطع أن يرى ما تراه. على الأرجح لم تكن (حياة) تطابق  التصور القائم داخل (باسم) عن شريكة حياته. لم تستطع التأقلم مع هذا التفسير إلا عندما قامت بنفسها بصفع توقعات أحدهم الذي كان يراها بدوره تنتمي لعالمه ويرى نفسه ينتمي لعالمها. غريب هو موضوع الإنتماء هذا. عندما لا يجد الرجل وطنا يستحقه يلوذ بالإنتماء لامرأة. والمرأة منكوبة دائما بالإنتماء للذكريات. ياتري إلي أي امرأة تنتمي يا (باسم)؟ لم تستطع (حياة) البقاء داخل مثلث الإنتماءات مختلف الأضلاع هذا. السير على الجمر أصبح الآن أسهل على كبريائها من انتظاره أن يرى. في لحظة قررت انهاء هذا العبث ولململت آمالها ووقفت على الحافة الآخرى من النهر.

 
 عندما قابلها بعد خمس سنوات تعرف عليها بسهولة. (حياة) لازالت هي (حياة) فقط أكثر جمالا وتألقا كنجمات السنيما. طلب من معد الموسيقى أن يلعب أغنيتها المفضلة وعندما فعل نظر إليها طويلا عندما كرر "ستينغ" Oh can't you see you belong to me  فبدا لها أن "ستينغ" لم يتوقف عن غناء هذه الأغنية منذ خمس سنوات كاملة  وبدا لها أنه ظل يكرر هذا السطر تحديدا مرات عديدة دون انقطاع حتى أصبح مبتذلا. أرادت أن تخبره بأن الإنسان يتألم كثيرا حتى يجده الشخص الوحيد المناسب له. كانت تود إخباره بأنه كان عليه أن يعاني قبل أن يتيقن أنها هي شخصه الوحيد المناسب لكن غبائه - رغم ذكائه - لم يسعفه وأن الصورة القابعه في مخيلته كانت لها هي دون أن يدري وأنه كان يتعين عليه أن يستوعب كما استوعبت هي في حينها أنهما ملائمين لبعضهما تماما. لكنها لم تخبره بشيء واحد مما كانت تريد. أشاحت بوجهها عنه وهي تتمتم على أمل أن يسمعها "أكتب عني بين الحين والاخر" وظلت تردد بشكل آلي مع الموسيقي راسمة ابتسامة ساخرة على ثغرها بصوت لا تهتم بأن يظهر عذبا  Oh can't you see you belong to me.
 

الاثنين، 1 يوليو، 2013

حوليات: الجنيه



 ماذا كان سيقول لو كان ينطق؟ منذ فترة طويلة وددت معرفة هل يعجبه الـ"نيو لووك" بتحويله من عمله ورقية لعمله معدنية؟ هل جرحت كرامتك يا جنيه بمساواتك بربعك الذى لم تعد له قيمة تذكر؟ منذ وقت ليس بقليل كانت تحرص خالتي على تبديل النقود من البنك والحصول على جنيهات ورقية بنية جديدة لتهديها لي في الأعياد.  لم يعد الجنيه مجديا في شىء الان حتى ولو كان رمزيا. حتي العيديات الرمزية أرتفعت قيمتها بانهيار سعر الجنيه. أنت غير مجدي أيها الجنيه لدرجة أنك لو بحثت عن نفسك في محركات البحث الالكترونية لن تجد أحد يهتم بك. ما ستجده هو كيف يتحدث الجميع عن تدني قيمتك. هل أنت مدرك مدى تدني قيمتك؟! كيف ستدافع عن نفسك لو كنت تنطق؟!  ولم يبدو قناع توت عنخ امون الذهبي المرسوم على الجنيه كأنه يبتسم ساخرا؟ وكأنهم بصك صورة توت عنخ امون على الجنيه يكسبونه قيمة إضافية فيبتسم توت عنخ امون من غبائهم ساخرا. بعد أن انقضوا على ذكرياتي معك ايها الجنية الورقي علي أن أخبرك بشيئا: أنا لا أحب شكلك المعدني الجديد لأنك أصبحت قبيحا وثقيلا وقابل للصدأ وعديم القيمة وعديم الهيبه. أظن أنك مشغول  بما هو أهم، فالدولار العملاق يسحق كرامتك وأنت أيها المفعوص تسحق كرامتنا بدورك. لكن، هل يهمك هذا من الأساس؟ إبتسم يا توت عنخ امون واستمر في سخريتك منه ومنا.

 

الاثنين، 17 يونيو، 2013

البدايات السعيدة




 

   عن البدايات السعيدة التي يرسلها الله لك ليربت بها على قلبك، عن بصيص الأمل الذي يلوح أمام عينيك من حيث لا تدري،   عن الرسائل الألهية التي كنت في انتظارها طويلا، عن العلامات - بلغة باولو كويلو - التي تخبرك بأنك على الطريق الصحيح ولو كنت حتى فى أوله، عن جدوي الكتابة من الأساس، عن الوردة المختبئة وراء الأوراق الخضراء والتي على وشك أن تتفتح لتواجه العالم والتي طالما كانت رمزا للبدايات الجديدة فى شتي الحضارات الإنسانية، عن طعم الشاي الذى أصبح ألذ بصورة مفاجئه هذه المره  بعد أن أزاحت البداية السعيدة بعض من مرارة كنت قد تأقلمت عليها فلم أعد ألحظها، عن بشر يتحدثون لغتك، ويرون العالم بعينيك، وإن لم يشاركوك نفس الزاوية فهم يتفهمون ما تعنيه تماما، لكنك لا تقابلهم في حياتك اليومية فتنعي حظك الذي أحاطك بمجموعة من الحمقي، عن الأرواح البشرية التي قررت منذ زمن تدوين أنفسها ونفسها، وتدوين مخيلاتها وأحلامها ونثرها على الشبكة العنكبوتية فينتقل عبيرها بين نفوس العابرين  بين الكلمات، عن من لا يجدون وسيلة أخرى لصفع الواقع سوى الاستمرار في الكتابة، عن حوليات الثلاث مئة وخمسة وستين يوما التي تخبرك بأنك لست وحيد على متن هذا الكوكب.

الخميس، 30 مايو، 2013

نقطة التقاء

 

فى ذلك الشارع الذى لا تبدو له نهاية، أو ربما لا تظهر نهايته بسبب ظلمته رغم كونه شارع عمومي، أسير عكس اتجاه السيارات القادمة. التزم فى بعض الأحيان بالسير على الرصيف كالكبار، لكن فى معظم الأحيان أسير بمحاذاة السيارات لأكون أقرب للنور، فمصابيح السيارات هى مصدر الضوء الوحيد فى هذا الشارع. أمشى ككل يوم سارحة بخيالي فى الملكوت وأنا أفكر فى أمور وجودية يجبرني كلا من الظلام والمشي على التفكير فيها، السير في هذا الشارع يجعل مني فيلسوفة أحيانا، وكاتبة طوال الوقت. كم رواية بدأت في نسجها داخل عقلي وأنا أسير في هذا الشارع ولم أنهها؟ كم قصة قصيرة كتبها عقلي وألح علي لأسجلها على الورق ولم أعر له اهتماما؟ والمقالات الساخرة التي كانت تدور عباراتها في رأسي فتجعلني أبتسم فيظن الشاب المقبل علي فى الشارع أني أبتسم له كم كانت؟ حتى ظهرت أنت من اللامكان. رأيتك أمامي ولا أدري من أين أتيت وكيف أتيت وكيف اختصرت أنت طول الطريق والمسافة  وطول الرواية الكائنه برأسي وكيف أربكت البطلة فبدت نقطة التقائنا نهاية الشارع.



  هل تدري ما كنت أفكر به بعد هذه المدة التى لم أرك بها؟ أن نختصر الكلام أيضا فأرمي برأسي على صدرك وحسب شأت أنت أم أبيت، وأن تكف أنت عن ثرثرتك وتصمت لدقيقة وتقبل الوضع، لكني لازلت بعقلي ولم تطح الرواية التى بداخله بالمتبقي منه بعد فاضطررت لأن أفصل في أقل من الثانية بين الواقع والأدب وأن أتظاهر بأني من جليد لا أشعر بأى شىء على الإطلاق، وأن أرسم ذلك النوع من الابتسامات الذي يرتدونه في المناسبات. مرت الدقائق بسرعة ولا أذكر سوى أني أردتك أن تبقى أكثر ولكني لم أفصح، لكنك تركتني ومشيت على أية حال. يمكنني أن أغفر لك ذهابك سريعا لسبب واحد لا غير; أنني لم أشعر بأننا غريبين، لم نبدو كغريبين يتقابلا ولم نكن غريبين عن بعضنا. عليك أن تشكر شيئا ما في روحك يجعلني أشعر بالألفة تجاهك وبسببه نحن لسنا غريبين. وبعد أن تركتني مشيت أنا وقد كنت فقدت كل تفاصيل ما كان يؤلفه عقلي، ورغم محاولاتي معه لم أجده يريد التفكير إلا بك. والتفكير بك يعني أني على مشارف اكتئاب مصغر وأني على وشك الدخول فى دائرة الشوك وحتما سيصيبك جانبا من طول لسان عقلي، بالمناسبة، لم أنت غبيا الى هذا الحد؟! أم أنك تتظاهر بالغباء لتبدو متجاهلا؟ أجب على عقلي أيها السيد الوسيم.


 

 فى ذلك الشارع الذى لا تبدو له نهاية، أو ربما لا تظهر نهايته بسبب ظلمته رغم كونه شارع عمومى، أسير عكس اتجاه السيارات القادمة. التزم فى بعض الأحيان بالسير على الرصيف كالكبار، لكن فى معظم الأحيان أسير بمحاذاة السيارات لأكون أقرب للنور، عندما أقترب من تلك النقطة التى أطلقت عليها نقطة التقائنا، ولو سألني أحد المارة عن مكان بقربها سأجيبه بأنها بجوار "نقطة التقائنا" سواء فهم ما أعنيه بذلك أم لا، عندما أقترب أتوقع ظهورك مرة أخرى من العدم، ولكنك لا تظهر، ألن تظهر؟! كأنك لم تكن موجودا على الاطلاق، أسير ببطء علنا نتعثر ببعضنا البعض ولكن لا شيء يحدث. كأنك لم تمر من هنا يوما. وعندما اتخطى تلك النقطة أشعر بوخز في القلب وأجبر دمعة تريد التنفس على الاختناق كما أجبر عقلي على أن ينسى الأمر وأخبره أنه لازال بإمكانه كتابة أدبا ساخرا فأعود للإبتسام وأقترب أكثر من نور مصابيح السيارات.
 

الجمعة، 1 مارس، 2013

في دورة المياة جلست وبكيت


  سيقولون أن الكاتب مهووس أو مريض نفسي لكن الكاتب على يقين تام أن كل ما هو غير عادى فى خبايا النفس من اضطرابات ليست من ضروب الجنون لا سمح الله، بل تنتج تلك أحيانا عن كون الإنسان المضطرب طبيعيا جدا لدرجة تجعله لا يتحمل كل هذا، فيضطرب. لا يفضل الكاتب فى معظم الأحيان أن يطلق أسماء على شخصياته، فهو يحب استخدام الضمائر (هو) و (هى) إيمانا منه بأن كل (هو) يكتبه و كل (هى) يكتبها أجزاء متناثرة من أعماق أولئك الذين يجدون الفرصة لقراءة ما يكتبه، سواء تعرفوا على هذا الجزء منهم أم لا، سواء اعترفوا بذلك أو اكتشفوا فقرروا دفنه بين ثناياهم وانتهينا.
  
  تكتب: لماذا أنا بالذات؟ لماذا لا يدركون؟ ترفع القلم الأزرق من على صفحة المفكرة الكبيرة و تقلبه وتنقر به على زجاج المكتب مرات غير متناهية. لماذا الآن؟ ترفع القلم ثانية، وترجع يدها اليمنى إلى الوراء وترمى بالقلم بعيدا فيرتطم بباب الغرفة المغلق و يستقر على الأرض، ثم تزيح المفكرة من مكانها و تقرب إليها حاسبها الشخصي، تشغله بسرعة و تبدأ فى الكتابة مرة ثالثة. أنا آسفة، تُحتم على رغبتي الملحة الاعتذار ولا أعرف لمن أعتذر تحديدا. بالأمس انفجرت فتناثرت ولم يتبق مني سوى فتات مشتتة متفرقة على أرضية من أشواك، أريد أن أضم حطامى الى ولا أستطيع. تتزايد ضربات أصابعها على لوحة المفاتيح مع تسارع ضربات قلبها. أردتُ أن أقتلنى فذهبت إلى دورة المياة و أغلقت الباب و أغلقت عيني لأفعلها، بهذه البساطة. كانت الضغوط بالداخل تزحف لتلتف حول بقايا الرغبة فى الحياة و تعصرها لتخنقها. فى المرة السابقة سمعنى الباب وأنا انتحب، وعرفت ذرات الهواء أني اختنق، وشاهدت الحوائط دمي،  وسمع من هم بالخارج بكائي، فى المرة السابقة سال الدم رغما عن أنفى النازف مطيعا أوامر الجسد الذى لم يكن ليتحمل المزيد فاختار أن يعبر بالدم. أردت هذه المره أن ينتهي كل شىء، أردت أن أنهي كل شىء.

  يجلس ووجهه مواجها لوجهي عمدا، يتحدث بعينيه طوال الوقت، يحرص على التعليق على كل ما أقوله وسط المجموعة وإن لم يوجه الحديث مباشرة الي، وعندما وجهت أنا اليه وحده الحديث لم يرد، زاغ بصره، نظر الي ولم يرني. انسحبت بهدوء مصطنع و لملمتنى و أخذتنى على دورة المياة، و فى دورة المياة جلست فبكيت. بدأ الثعبان في الزحف و بدأت القطة فى التمرد، لم يكن اليوم فقط سيئا بل كان اليوم وأمس وأول أمس، الأيام جميعها صعبة حتى أني لا أتذكر منذ متى تحديدا، ولأننا نعتاد السىء يحدث الأسوء فنعتاده ولإننا نفضل الموت على أن نظهر أمام الأعين ضعفاء فنحترف لعبة الأقنعة، ضع قناع العمل و قناع الشارع فى الصندوق فوق الثلاجة، ولا تخلط بين قناع الأفراح وقناع المآتم، ولا تنس قناع الابتسام فى الصور، واحفظ جيدا القناع الذى تخلع بعده قناعيين آخرين أو ثلاث حتى تصل إن استطعت إلى الوجه الذى نسيت أو تناسيت ملامحة: وجهك. وإن كانت ملامح الوجه تقبل أن توضع فى قالب الأقنعة فتُمحى فإن ملامح النفس المرفرفة تكسر بجناحيها أى قالب مفروض عليها لتظل حرة، فى هذه المره ظلت ملامح نفسى حرة.

  كان يوما عاديا مملا حتى رأيتها، جاءتني نوبة ضيق تنفس مرة آخرى اليوم وبعد أن إستخدمت بخاختى لتهدئة رئتي أسرعت لأجدها ولأعتذر لها عما لم يبدر مني، اُصبت بضيق التنفس في اللحظة التى بدأت فيها معي الحديث، لا أقصد أنها تسببت فى اختناقى، بل كانت اللحظة التى أسعى اليها منذ زمن. لماذا الآن يا رئتي؟ وجدتها تمسك بحقيبتها على كتفها الأيمن وتضمها ناحية صدرها كأنها تستمد منها الأمان، لم تنظر الي ولم تتهادى فى مشيتها بل سارت بطريقة غريبة عليها فمرت من أمامي مسرعة ومتخبطة. مشيتُ على مهل لأعطيها فرصة لتجفف دموعها أو لتخفيها كما تحب، أنا محظوظ بشكل كاف يجعلني أعرف وجهتها، وجدتها جالسة أرضا في الحديقة أسفل المبنى فنزلت بجوارها دون تردد ودون تفكير، وبالرغم من أني أردت الجلوس مواجها لها لم يسمح المكان بهذا كما أني لم اُردها أن تهرب لا من عيني ولا من المكان ولا مني.

- أنا مكنتش أقصد إني مردش عليكى، اللى حصل إني...
- عادي
- بجد مكنتش اقصدها متزعلـ....
- ولا يهمك

   يخبر الإيشارب المزركش بالدم الملفوف على معصمها أهم جزء فى الحكاية، لم أكن لأستوعب فى البداية أن كل هذه الرقة الأنثوية الكائنة فيها يمكن لها أن تفعل هذا بها، أما أنا فكاد الشعور بالذنب أن يقتلنى.
- فى مستشفى قريبة منهنا، يالا بينا؟

   ظننتها ستكابر وسترفض لكنها استجابت. في المستشفى لماذا يسأل الطبيب عن سبب الجرح وهو يعلم؟ لماذا ينظر إليها على أنها خطر كامن وكائن بمجرد وجودها فى الغرفة؟ لماذا ينظر الي بشفقة؟ يدفعني الشعور بالذنب دفعا لمعرفة السبب وراء فعلتها تلك وبدأ في التلاشي شيئا فشيئا عندما قررت أن تُطلعنى على الأسباب وراء ما اقترفته بحق نفسها، وبحق رقتها، وبحق  يدها الجميلة. وبذكر الأيادي طلبت منها أن تتزوجني فرفضت، ظننتُ أني بذلك أمنحها ولو قليلا من أمان تحتاجه لكني كنت أحمق للمرة الثانية على التوالي فتسبب تسرعي على ما يبدو فى زيادة الضغوط بداخلها، إبتعدت هى فابتعدتُ تباعا، إختفت هى وكالعادة وجدتها.

   كنت ابتعد بقدر ما كنت أحتاجه، وبقدر مسافة البعد كان تفهمه للوضع، أعطاني رواية وكتبا عن شىء ما يسمى اضطراب الشخصية الحدية. ألقيت نظرة سريعة ووجدت فى أحد الكتب الذى أعطاني إياها أن اضطراب الشخصية الحدية ذلك هو نمط من أنماط تقلب المزاج وتقلب صورة الذات ويستدل عليه من الغضب الشديد غير الملائم للموقف وأذية النفس والإكتئاب.
- اضطراب الشخصية الحدية؟ الحدية بتتنطق إزاى؟
- حدية من حد، من حافة، الحافة اللى بتدفعك ليها اللخبطة اللى جواكى فترمى القلم أو تكسرى كوباية أو...
- أنا مريضة نفسيا؟!
- كل حاجة ليها اسمها،  إحنا بس اللى مكناش نعرف وأما بنعرف بتتكسر شوية حدة الحاجة
- بتقول حكم حضرتك!

  عندما يكون المريض أكثر ثقافة وتفتحا من الطبيب تحدث معجزات، كان بإمكانه اخبار طبيب المستشفى عما فعلته أنا ولكنه لم يفعل، ما فعله هو أنه جعلني أتعرف على ما أواجه، الثعبان الزاحف بداخلى هو اضطراب كاضطراب الأمعاء وكاضطراب الدورة الشهرية، شيء عادي واعتيادي لا يستدعى لا السرايا الصفرا ولا الخوف. شفيت من الاضطراب المدعو هكذا بالمعرفة.

- أنتِ شخصا مختلفا يريد أن يكون مثل الآخرين
- وهل الرغبة فى الاختلاف مرض خطير؟
- تكون الرغبة فى الاختلاف مرضا عندما تجبرين نفسك على أن تكوني كالآخرين
(1)

  أحببتها ولم أستطع الزواج بها، إلى هنا هو أمر شائع الحدوث يتسبب فى أرق ووجع فى القلب أحيانا لكني حولتها إلى أدب كي أشفى منها كما شفيت هى. أشير إليها بـ(هى) لإيمانى بأنها جزء من أعماق أحدهم سواء أدركوا ذلك أم لا، أهديتها إلى كل من يلتف الثعبان حول عنقه أحيانا سواء تعرفوا على هذا الجزء منهم أم لا، سواء اعترفوا بذلك أو اكتشفوا فقرروا دفنه بين ثناياهم وانتهينا.

                                                                تمت.


 (1) من رواية فيرونكا تقرر أن تموت بتصرف
حدث خطأ في هذه الأداة