السبت، 1 نوفمبر، 2014

أن تضيع من تعول!



 ياللحظ العسر الذي ابتلي به الإنسان الذي فقد أبويه! يتخبط في الحياة فلا يعرف كيف يتصرف في المواقف المختلفة، ولا ماذا يقول في المناسبات المختلفة، ولا ما هو التوقيت المناسب للخطوات والأشياء. يتمنى لو أن له أبوان يوجهانه ويعلمانه أشياء تعينه على الحياة. ولكن ماذا كان لو أنهما لا يزالا موجودين، ولكنهما كالحاضر الغائب؟! أندهش من الشاب الذين لا يزال والداه على قيد الحياة، لكنه هائم على وجهه، ضال بحاجة للإرشاد، أعمى بحاجة للتنوير. أليس من المفترض أن يرشده أبوه إلى الصواب؟ وأن تزيل أمه عن عينيه الغطاء؟ أليس الجزء الأهم من التربية هو التوجيه الحاني إلى الصواب؟! كم هم أنانيون الأباء والأمهات اللذين يبخلون على أبنائهم بنصائحهم وبتوجيهاتهم، فيجعلون منه إنسانا مشوه إجتماعيا، لا يدري كيف يتصرف على، أو يجعلون منه أضحوكة نتيجة غياب مفهوميته. الأباء أنانيون مرتين. مرة لأنهم بخلوا على أبنائهم بالمعرفة التي يمتلكونها في رؤوسهم، استلواحا منهم لتوفير ما في جيوبهم، أو ليريحوا أدمغتهم من المناقشات والحوارات، ومرة ثانية عندما يبخلون بجهدهم ووقتهم في أن يكونوا أفضل ما يكونون كأشخاص، وهذا بالطبع يتضمن التثقيف الإجتماعي الذاتي، والوعي الذي يكتسبه الفرد بنفسه من المواقف التي تمر عليه لينقل ما يتعلمه إلى أبنائه. سأعرض بعض المواقف التي ترتبط في ذهني ارتباطا مباشرة بتقصير الآباء في تربية ابنائهم على الصعيدين التوجيهي والمادي.

تصدمني أشياء كثيرة تتعلق بالسلوكيات الشاذة لبعض البشر، فمثلا تصدمني المرأة التي تفتح باب شقتها مرتدية قميص نوم! تحكي لي صديقة إنها كانت في زيارة مع أبيها لأحد أصدقائه، ورغم أنها كانت تبلغ من العمر ثماني سنوات فقط إلا أن إداركها ساقها إلى أن ما رأته به خطأ ما. ذهبت ووقفت صديقتي بجوار أبيها الذي قرع جرس الباب ليجد زوجة صديقة تفتحه مرتدية قميص نوم، وتلف رأسها بمنشفة توحي بأنها أنهت استحمامها للتو، ووقفت ذات القميص الأحمر أمام أبيها بمنتهى البجاحة التي يتناسب معها المثل الشعبي "اللي اختشوا فعلا ماتوا!". لم يكن صديق أبيها موجودا بالمنزل، فنزلا بعد أن أخبرتهم بأنه جائه مشوار مفاجيء.  هذه المرأة لها ولدان صغيران كانا يقفا بجوارها، لكنها تخون النعمة التي منحت. وبعد أن حكت لي صديقتي قصتها، أدهشني رد فعل أبيها أيضا! فإذا كنت تتعامل مع ذات القميص الأحمر، احترم ذاتك وغادر عتبة الباب فورا! لماذا تحكي وتتحاكى وتطيل في الكلام إن كنت تتدعي أنك – عذرا صديقتي – رجلا محترما؟! 

يدهشني ويستفزني الرجل الذي لا يعرف كيف يعامل امرأته. هذا الرجل نشأ في بيت رأى فيه أبوه يتطاول لفظيا، وأحيانا جسديا على أمه، فترسخ في ذهنه أن العادي هو أن يهين الرجل المرأه بالكلام أو بالاعتداء الجسدي. والداه ظلما أنفسهما بالاستمرار في التصرف ببربرية، وظلما ابنهما بتشويه شكل العلاقة السوية بين الرجل والمرأة، إلى جانب تشويه ثقته بنفسه كرجل. فيفهم مما يراه أنه ليكون رجلا لابد أن يسب ويشتم، تماما كالمراهق الذي يريد أن يثبت للمجتمع قبل نفسه أنه رجلا فلا تغادر السيجارة فمه. يظل هذا الولد صاحب الثقة المهتزة مراهقا يجد في ضرب النساء رجولة لفترة كبيرة قد تطول لتبلغ عمره كله. 

أندهش من المرأة التي تقبل أن تركب سيارة رجل غريب عنها بدعوى أنه  زميل عمل . إما أنها لم تجد أما تعرف جيدا التصرف الصحيح للبنت عندما يعرض عليها الرجل هذا العرض فتعلمه لابنتها، أو أن أمها تفهم لكنها تريح رأسها فلا تكلف نفسها عناء التوجيه، أو أن البنت نفسها مرت عليها نصيحة أمها، لكنها تميل بطبعها إلى السلوك الشاذ –وهذا غالبا ينتج عن خلل ما في عملية التربية. المرأة المحترمة بالطبع لن تقبل أن تركب مع زميل عمل سيارته لأي سبب كان. هذا إن كنت في حيرة من أمرك ولا تعرف كيف ينبغي أن تتصرف البنت! 

 يصدمني الأب الذي يبخل بماله على ابنائه! فيتركهم يعانون الأمرين بدلا من أن يعينهم على مصاعب الحياة. يكنز المال ويدعي الفقر، ولا يقوم بدوره في إعالتهم. لماذا يعمل إذا مادام يمنع عن ابنائه المساعده المادية؟ لي صديقة اضطرت إلى العمل 18 ساعة يوميا لتستطيع أن تسدد مصاريف تعليمها، مع العلم بأن الأب يستطيع ماديا أن يمنع عنها المشقة، لكن الأسهل عنده أن يقطع إصبعا من يده ولا يصرف جنيها. وكم شابا احتاج إلى أبيه ليساعده ماديا في زواجه، لكن كل ما وجده من أبيه الخذلان! فلم يتبق له إلا نفسه وعمله، رغم أن أبيه لازال على قيد الحياة لكنه غير مؤهل لتحمل مسئولية الأبوة.

  يا أباء وأمهات المستقبل أنفقوا من جهدكم في أن تكونوا اليوم أحسن ما يمكنكم، وأنفقوا من انتباهكم وأموالهم على ابنائكم. أنفسكم وأبنائكم هم الاستثمار الحق. المال يفقد، ويسرق، ويخسر، أما أنفسكم وأبنائكم هم كل ما تملكون حقا. وتذكروا "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول".
حدث خطأ في هذه الأداة