الثلاثاء، 30 أغسطس، 2016

لا يعلم أحد ما بداخل مريم


في إحدى صباحات أغسطس الصاخبة تجرمريم قدميها جرا لتنزل درج البناية التي تسكن بها. تدرك أنها متأخرة عن موعد بدء محاضراتها لكن يحملها جسدها الهزيل وتقرر الذهاب على أية حال. الوصول متأخرا أو مبكرا لم يعد يشكل فارقا لديها لأنها أصبحت فاقدة للشعور بالوقت. حركتها رتيبة كحركة إنسان آلي يمشي في شوارع متكدسة بالبشر كأنهم أمواج بحر متتالية ومتتابعة.  يزيحونها من طريقهم  إلى أقصى يمين الطريق تارة، وأخرى يكادون أن يدهسوها في المنتصف بينهم، و ينحونها جانبا أقصى اليسار تارة أخرى، يتناوبون على إزاحتها من طريقهم ويقتلعونها بضجر من الأماكن التي تسير قدماها فيها. 

يحركها قدماها المكبلتان اللذان يحفظان الطريق إلى الجامعة  بشكل آلي، في حين يبقى نصف جسدها العلوي مخدرا. رأسها ثقيل كصخرة، وقلبها مثقوب كثقب السماء الأسود الذي لا يستطيع الضوء النفاذ منه، وعينها كعين الدمى تنظر ولا ترى ، وأذنها كأذن الثَمِل تسمع ولا تنصت، وشفاهها مخيطة، ولسانها كلسان الأخرس عاجز عن الكلام. تسير وتسير في أنفاق عقلها المظلمة ولا ترى إلا سوادا، وتسبح في أعماق قلبها الذي لونه الحزن بالأزرق الداكن ولا تشعر إلا بالفراغ الكائن وراء هذا الثقب الذي يزداد اتساعا حتى يتآكل قلبها تآكلا. يجذبها ثقل رأسها للأسفل فتزداد حركتها تلعثما وتزداد حدة المارة في إزاحتها من طريقهم، لكنها لا تقاوم لأنها لم تعد تبالِ. أصبحت مريم فاقدة الحس لا تشعر.

تستمر الناس أفواجا وأفواجا في حركتها السريعة، وتتابع عقارب الساعة حركتها المتكررة، وتزداد الشمس حدة، ويأتي إلى هذه الحياة أطفالا أكثر لا يعلم مصيرهم إلا الله، وتتسع القبور لجثث هامدة جديدة، ويشتد الأزرق بداخل مريم دكانة، وتسيطرعلى عقلها الظلمة، وتزحف حالة النَمَل إلى جميع أنحاء جسدها حتى تصل إلى قدميها. تتيبس قدماها ويتوقفان عن الحركة. تسقط مريم على جانب الطريق ولا يلاحظها أحد. ماتت مريم ولا يعلم أحد ما بداخلها. 


حدث خطأ في هذه الأداة