الثلاثاء، 19 أغسطس، 2014

التمركز حول العته

  


أكتب إليكم الآن وأنا أعترف بالجرم الذي أقترفه بحق نفسي يوميا عندما أعزف عن الكتابة. ولن أخفي عليكم، فأنا أؤنب نفسي مرات ومرات على عدم احترامي لحاجتي لنعمة منحها الله لي. أحيانا أظن أنني لن أكتب بشراهة مدخن إلا عندما أصبح امرأة مشعة تننظر أن يقتلها السرطان في أي لحظة مثلما قتل نعمات البحيري، أو عندما يصيبني جنون الإكتئاب فأهرب من أصوات الوحوش، والأماكن حالكة الظلمة في عقلي إلى كتابة الروايات مثلما كانت تفعل فيرجينيا وولف إلى أن انتحرت. أتذكر الآن كل المرات التي سمعت بها "شيء من بعيد ناداني" لأجلس وأكتب، ولكنني لم أعر لذلك الشيء أهمية. ربما لأنني كنت كسولة كدبِ الكوالا الأسترالي الذي أتمنى يوما أن ألعب معه وأمسح بيدي على ظهره، أو ربما لأنني كنت منهكة معنويا بشكل تام وكامل لا يسمح سوى بكتابة جمل تشبة الشاشة المنقطة بنقط سوداء وبيضاء التي كانت تعلن عن انتهاء بث قنوات التليفزيون المصري. ولابد أن أعترف بأنني لا أكتب إلا عندما أستفز. ولذلك أوجه رسالتي هذه من أمام لاب توبي إلى كل من يلومون علي انقطاعي عن الكتابة لفترات طويلة، ولمن يطالبونني بالكتابة أن يستفزونني لأكتب. 

 اليوم أنا مستفزة بالقدر الكافي الذي يسمح بأن أكتب. أنا مستفزة من هذه البلدة الظالم أهلها حد الوجع. أحيانا يمكنني أن أضحك وأنجو منها قبل أن تمسك بتلابيب فستاني الوردي الذي يطير آخره في الهواء فأشعر كم أنا حرة حينها. وأحيانا أخرى تهزمني وتجرني من شعري جرا على الأرض وتشعرني بمدى صغري. أنا مستفزة من المجتمع الصغير المسمى بالعمل. مستفزة من "الأوفيس جيرل" التي يبلغ عمرها عتبة الخمسينات التي تجري لتشتري الفطور يوميا للمديرين القابعين في مكتبهما دون عمل أي شيء ذو فائدة حقيقية، ثم تعود وتحضر الفطور مسرعة وتدخله على صينية بشكل يومي حتى مكتب المديرين وتعود للمطبخ لتحضر لهما الشاي. ولا يمكن للـ"أوفيس مدام" أن تشغل نفسها بشراء أي طعام جاهز لكائن من كان ممن يعملن فعليا، ويبذلن من مجهودهن وأصواتهن وأذهانهن قبل تأدية هذا الطقس اليومي. ويظن الرجلان أننا عميان لا نرى هذا، ويظلوا يكررون ببلاهة جملة أشك أنهم يفهمون معناها فيتوجهون بالحديث لي ولزميلاتي بجملة "Help yourself" بمناسبة ودون مناسبة. وتقال في معظم الأحيان بلا مناسبة فلا أفهم هل يقولونها لأنفسهم في حضورنا أم يشككوننا فيما نراه من عته!

 أنا مستفزة من الأوفيس مدام نفسها لأنها وافقت على تنفيذ أمر المديرين بطلاء حوائط مكان العمل كاملة. ولا أعرف كيف سمحت لهما رجولتهما فالفرجة على امرأة خمسينية تمسك بفرشاة وتصعد درجات السلم لتطلي حوائط المكان الذي يملكونه بالدهان! أراهن أن هاذين الرجلين يسبان الفيمينيزم ويصابان بالحساسية من الفيمينيستس، ومع ذلك سمحا لنفسهما باستغلال سيدة تعمل لحسابهم للقيام بعمل يقوم به الرجال لأنها  أوفر بالنسبة لهم من أجرة يد النقاش! تؤمن الفيمينيست بأنه لا يحق لها أن تجعل رجلا يقف في المواصلات العامة لتأخذ هي مقعده. ويعتقد المعادون للفيمينيزم أنه من العادي أن تدهن هذه السيدة الحوائط، أو وأن  تذهب إلى سيارة كل واحد من المديرين لتحضر له منها ما يطلبه وكأنه ليس بينه وبين السيارة 5 دقائق مشي! وكأنه إذا غاب 5 دقائق عن مكان العمل ستقوم الدنيا ولن تقعد! أو أن تذهب إلى المكوجي لتستلم قمصان المديرين. ولا أدري حقيقة إن كانت تفتح السيارتين لتعلق بهما القمصان أم تقف دائرة الاستهبال الذكوري والاستغلال الرأسمالي عند إحضارهم من عند المكوجي فقط. 

 هذه السيدة قطعا تحتاج إلى عملها وإلى المال القليل الذي تحصل عليه منه، لكنها ليست غلبانة كما تتصور. فهي تذل أنفاس الواحد الذي لا ينتمي للإدارة عقبال ما تحضر له الطعام الذي طلبه، وقبل أن تفكر أن تشتكيها تذكر أن الرد جاهز: "لابد أن تحضر الفطور للمديرين أولا". آه كده عيني عينك.  كما تذل أنفاسك لتمرر المكنسة على أرضية  المكتب إذا طلبت أنت ذلك. وأؤكد إذا طلبت أنت ذلك لأنها لا تفعل هذا من نفسها أبدا. لابد أن تذهب إليها وتعبر عن تضررك من السجادة المتسخة، ومن سطح المكتب الذي انطبع ترابه على أكمامك، ومن وجود الصرصار المقلوب على ظهره الذي تفتتح به يومك أول ما تضع قدمك في مكتبك وتقول بسم الله. هذه السيدة نفسها وقفت تبكي أمام المدير لأنها لا تستطيع أن تغسل علبتين صغيرتين من البلاستيك -أحضرتهما زميلتان لتضعا فيهما طعامهما - فجاءت الأوامر بألا نثقل على الأوفيس مدام وأن نراعي ظروفها الصحية وبأن نهيلب أورسيلفز، لكنها تستطيع أن تصعد على السلم لتعلق بوستر الشركة على الحائط عادي! وتستطيع أن تدهن الحائط بالبويا عادي أيضا! وتستطيع أن تحمل براميل الوقود الثقيلة لتدخلها إلى المطبخ على مرأى ومسمع من "الذكريين" الجالسين المتفرجين. بقدر ما يستفزني استغلال أصحاب المال والسلطة والذكورة المتملين في هذين الرجلين، أنا جدا مستفزة من ولاء هذه السيدة الذي يكبر يوما بعد يوم لتلك الإدارة لدرجة أنها تتذكر تواريخ أعياد ميلاد الرجلين!

 أما بالنسبة للرواتب، فإن مرتب الرجل نظير القيام بنفس الوظيفة في المكان نفسه يكون ضعف مرتب المرأة العاملة به. لذلك يستبعدون الرجال المتقدمين للوظيفة من البداية.   هذا المكان قائم بالكامل على المجهود الذهني والمجهود البدني لنون النسوة المستغلات تحت مسمى أنهن حديثات التخرج أو تنقصهن الخبرة الكافية. وكأن كونك امرأة لا يسمح لكِ بكسب ما تستحقين نظير مجهودك! أو أن ليس لكِ احتياجاتك الخاصة التي تريدين أن تشتريها من حر مالك الذي تتعبين في مقابل الحصول عليه! أو أن ليس لكِ حياة خارج العمل تتطلب مالا! أن تحصلي على ما تستحقين من مال مقابل عملك وإن حتى لن تصرفي منه شيئا في حد ذاته هو حجر الزاوية. لا أن يأكل أي كان مهما كانت سلطته حقك المادي في كرشه! 

 وبعيدا عن هذه السيدة، يستفزني هذا البلد الذي سمح لرجلان لا يفقهان شيئا أن يطلبا بمليء فيهم حديثي التخرج من كلية من كليات القمة، ومن  متحدثي اللغات للعمل لحسابهم. هذا البلد سمح لهما بأن يشعرا المتقدمين للعمل معهم  بأنهم سيعطفون عليهم بقبولهم. ولأنهم حديثي التخرج، بالإضافة لكونهم بنات ليس لهم الحق في راتب يليق بإنسان عامل وليس مصروف طالب في الثانوية العامة. وليس لهم الحق في الاعتراض على أي شيء لأنهم لا يفهمون أيا شيئا. ولابد أن يفعلوا ما يؤمرون للحفاظ على ما يسمى بالمصلحة العامة.

  تستفزني هذه البلدة التي تضعني يوميا مكان الصرخة ذاتها في اللوحة التي رسمها "مونك" النرويجي عام 1893 .في تلك اللوحة التي تراها أمامك أعلى المقال يمكنك أن ترى الإنهاك جليا، والغموض واضحا. تجد في رسمة "الصرخة" عالم من الدوامات التي لا تفهم لها أول من آخر. الضياع والخوف كلاهما مرسومان في وجه هذه الجمجمة. الضياع في مكان غير مفهومة نظمه التي لا تشبه النظم، والخوف من أن يصبح صاحب الجمجمة مجرد ذرة في دائرة ترسمها إحدى الدوامات.  في هذه اللوحة لا شيء يبدو على طبيعته. لا السماء تبدو كالسماء، ولا البحر يبدو كالبحر. لا شيء يبدو على طبيعته في هذه البلدة. لا شيء واضح سوى أصوات الصراخ، والعته. 







الاثنين، 14 يوليو، 2014

هل تعلم أن ما تفعله تحرش؟


مصدر الصورة

 بماذا تشعر عندما تسمع كلمة "تحرش"؟ هل تشعر بالغثيان؟ أم تشعر بالخوف؟ أم بالضحك؟ أم لا تشعر بشيء على الإطلاق؟ هل تتذكر كيف بدأت حكايته في مجتمعنا اللطيف؟ وكيف كان لا يجرؤ إنسان على تسميته بإسمه؟ ثم أصبح المصطلح يستخدم في إتار مقنن، وبنبرة صوت خافتة. كان الجميع يعلم أن ما يحدث هو أمر غير طبيعي، وغير مألوف وشاذ، لكن ما كان يجرؤ أحد على رفع صوته عن حد الهمس بها على أي حال. حتى زاد معدل حوادث التحرش عن حد تصديق العقل له، وزادت بشاعة الفعل عن تحمل الجهاز العصبي لمن هم لايزالون أسوياء، وزاد معه معدل حوادث الإغتصاب في شوارع المحروسة، وتعالت معه الأصوات، واتجهت ليس فقط نحو تسمية الأشياء بمسمياتها، ولكن نحو مواجهة المجتمع كله بحقيقة أن تلك الحوادث قد تحدث قريبة من أي فرد من أفراد هذا الكيان المجتمعي، وقد تحدث لهذا الفرد نفسه الذي يظن نفسه بمنأى عنها. وبالمناسبة قد تحدث لكِ أنتِ، ولكَ أنتَ أيضا. لا تزال المواجهة – على طول مدتها - قائمة. ورغم تقبل البعض هذه الحقيقة إلا أن الكثيرين لا يزالون يعتقدون أن الخطأ دائما خطأ البنت. هي دائما الملامة. وإذا سألتهم عن سبب هذه الحوادث سيجيبون بمليء فيهم "ملابس البنت هي السبب". النقاب لم يعد يحمي. الحجاب لم يعد كافيا. النفوس العفنة تفعل فعلتها حتى مع البنات ذوات الخمس سنوات. على العامة أن يدركوا هذا جيدا. 

 يقول المثل "كلمتين أبرك من عشرة". والكلمتان هما أن عقول العامة تفعل من ملابس البنت شماعة تعلق عليها خيبتهم. وتلوم عليها لأن ملابسها قد لا تشبه ملابسهم، وقد لا تشبه الملابس التي يتخيلون أنها تعمل كدرع حصين ضد المضايقات. ومن المضحك المبكي أن البنت التي يلومونها قد ترتدي ملابسا مثل ملابس أولئك اللذين يلومونها تماما، لكن عقولهم لا تستطيع أن تفهم، وعيونهم لا تستطيع أن ترى. الحل الأسهل للعامة دائما هو أخذ اللوم من فوق ظهورهم وإلقائه بعيدا عنهم، وغالبا ما يتم قذف الضحية به حتى يريحوا هم ضمائرهم من الإحساس بالذنب، ويرحيون أفقهم الضيق من التفكير. أيها المجتمع النائم هووه لابد أن تدرك أنه ويل لمجتمع يسمح لرجاله بإهانة بناته بشتى الطرق. وويل لكم إن لم تفتحوا أعينكم لتعرفوا أن للتحرش عشرات الصور. 

 عندما تركب التاكسي – وأعتقد أنك ستعتزل ركوب التاكسي وستركب قدميك بعد غلاء أسعار البنزين - تسمع أصوات المذيعين منبعثة من الراديو معلقة على 5 حالات التحرش التي حدثت في يوم واحد. وتستنكر أنت وسائق التاكسي أن يحدث 5 حوادث تحرش في يوم واحد فقط ، وتشعر بأن هناك شيء ما خطأ، ليس الخطأ بالنسبة لك هو حدوث الأمر من الأساس، ولكن هو أن يحدث بتلك الكثافة.  والصواب – من وجهة نظرك المتواضعة - هو أن يحدث ما بين حالة إلى حالتين فقط يوميا. هذا هو الطبيعي. هذا  هو المعدل الذي  يستطيع جهازك العصبي تحمل سماع وقوع حدوثه في اليوم نفسه. أما 5 حالات! يإلهي! ياللبشاعة! وكأن الحالة الواحدة لا تستحق أن تنفق عليها بعض من دمك البارد. ينهي سائق التاكسي الذي تزين الدبلة يده اليسرى حديثه معك عن التحرش بـ"الله يستر على ولايانا"، وهي عبارة اعتاد ترديدها في مثل هذه الأخبارالتحرشية المنبعثة أخبارها من الراديو عبر أصوات مذيعين لا أعرف ما إذا كانوا هم أنفسهم يتأثرون بها أم لا.  وأثناء ما يدعو السائق للشباب الطائش بالهداية، وللبنات بالستر، يتابع بنظرات عينيه جسد سيدة تعبر الطريق أمامه ويحرك رأسه قليلا ويرسل نظراته ورائها. يحدث هذا الموقف اليومي معك ومع سائق التاكسي إذا كنت تنتمي للجنس الخشن. أما إذا شاركته أنت النظرات إلى أجساد السيدات العابرات للطرقات فأعلم أنك تنتمي مثله للجنس النتن.

  أما إذا كنتِ تنتمين إلى الجنس الناعم وفي الموقف نفسه فسيبدء سائق التاكسي بالتعليق على ما قاله المذيع. وسيسألك ما إذا كان الإعلام يبالغ في طرح الظاهرة. وسيدفعه فضوله إلى الإطالة في الحديث عن التحرش ليستفزك ولتحكي له عما تعانيه أنتِ شخصيا.  وسواء إذا بحتِ أو ما بحتِ فسيلقي السائق نظرة على  وجهك في مرأته التي تعكس صورتك وأنت جالسه على الكرسي الخلفي، وسينزل بنظره قليلا ليخطف نظرة من صدرك ليقيمك إذا ما كنتِ تستحقين التحرش بكِ أم أنكِ لست مستفزة كفاية لشهوة أمثاله. وإذا بحتِ أو لمحتِ لما يحدث معكِ فسيحكي لكِ عن ابنته التي لم تتعرض لهذا الشيء أبدا، وعن أخته التي لم يحدث معها هذا قط واليعاذ بالله. ما أحمقه! ليس لأن بنتك وزوجتك لا تحكيان لكَ عم يتعرضن له كل يوم في الأسبوع، كل أسبوع في الشهر، كل شهر في السنة، فهذا لا يعني أنه لا يحدث يا غبي! ولكنك تكتمين غضبك، وتبتلعين كلماتك حتى لا تسمعين وصلة المجتمع المصري المفضلة عن مفهومه للاحترام الذي يقاس بطول ملابسك، والذي يحميكِ كأنثى أنتِ مضطرة للعيش بين جنباته من أي سوء.  وسيدعو لكِ في نهاية حديثه طبعا بستر العرض وبالزوج الصالح، لكن الدعوات التي يرددها لسانه لن تمنعه من أن  يتبع مؤخرتك بنظرة بعد أن تنزلي من التاكسي حتى تغيبين وسط الزحام عن رصاصات عينيه، ويتركك هو ونظراته مع الاسئلة التي تطل من رأسك ، وأهم تلك الأسئلة: أيها سائق التاكسي، هل تعرف أن ما تفعله تحرش؟

  يمكن لهذه النظرة التي لا تلقي لها أنت بالا، وتعتبرها شيئا عاديا عابرا أن تجعل بنتا في عمر الوردة تكره جسدها عندما تجد رجلا في عمر أبيها يتفحصه إنشا إنشا. بهذه النظرة يكشف الرجل جسدها ويعريه بعينيه، فتشعر هي بأنها تريد أن تضم نفسها بنفسها فتلف ذراعيها حول النصف العلوي من جسمها في محاوله لحمايته، وتتجمد للحظة من الخجل أحيانا، ومن الخوف دائما. يمشي الرجل ويكرر النظرات نفسها مع بنات أخريات وينسى، لكن هذه النظرات تبقى عالقة في جدران الذاكرة البصرية والنفسية للبنت، وتشعر بنار تحرقها في الأماكن التي استهدفها المتحرش بنظره كلما عبث بها هواء الذكرى. و يمكن أيضا للكلمات التي تسمعها بنت وهي متخذة الشارع طريقا إلى مكانها المقصود أن تصيبها بالذعر لفترات  طويلة، وبانعدام الأمان دائما. وتظل تتكرر الكلمات في أذنها حتى تنتقل إلى سائر جسدها فتتسبب في كره البنت لأجزاء جسدها التي أصابتها أحجار التحرش، وبكره دفين متأصل لصنف الرجال كله. الويل كل الويل لمجتمع يتسبب للمرأة بكره جسدها.  


 لا يهتز المجتمع بالكامل إلا عندما يفيق على أنباء حادثة اغتصاب. وليته عندما يهتز يفعل شيئا فعالا. كل ما يفعله عندما يفيق هو التعبير عن استيائه بكلمات فيسبوكية لمدة لا تطيل عن يومين أو ثلاثة وينتهي الأمر ويصبح نسيا منسيا. أما عما يظنونه حوادث أقل شأنا، فلا تعليق. وعلى المجتمع أن يفهم أن  النظرة والكلمة لا تترك خدوشها فقط في نفس البنت، لكنها على مدى السنوات التي تكبر فيها هذا البنت تحتل الخدوش مساحات أكبر لتصبح جزء متأصلا من تكوينها النفسي كإنسانة عضوة في هذا المجتمع. ويظل كرهها لجسدها يكبر معها حتى يتضخم. وإذا كرهت البنت جسدها فلن يجني المجتمع إلا الكره. ويتسائل الرجال عن سبب حدة طباع هذه البنت، أو خفوت رقتها، أو لجوئها للعنف أحيانا.  يا كل رجل يدور بخلده هذه الأسئلة فلتنظر إلى المرآه. نظراتك وكلماتك هي السبب.بدلا أن تحميها أنتَ تسببت لها بانعدام الأمان فاضطرت لأن تضع نفسها وراء درع واقي لتحاول أن تحمي بنفسها الجزء النفسي السليم المتبقي لها. ولا تتعرض البنت في مجتمعنا إلى الأذى اللفظي و الجنسي من المتحرش فقط، لكنها تتعرض أيضا وبنسبة كبيرة إلى الأذى اللفظي والجسدي بالضرب من الأب أو الزوج إذا قررت أن تبوح. حتى الجانب الذي من المفترض به أن يكون المتعهد بالحماية يساهم بجدارة ليس في كره البنت لجسدها وحسب ولكن في كره كونها على قيد الحياة من الأساس. هذه البنت ستصبح أم غدا. وسؤالي هو: هل تعلم أن ما يحدث للبنت الصغيرة يوميا يؤثر على جيل آت؟ كم مشرقا سيكون مستقبل هذا المجتمع!

الأربعاء، 25 يونيو، 2014

لجين مرة أخرى


  

 عُدت لأكتب لكِ يا حبيبتي الصغيرة التي أفتقد الكتابة لها. ألم أخبركِ أنك ستسكنين رسائلي لفترة؟ أحيانا رغم ضجيج الحياة، وكثرة الناس في حياتي- العابرون منهم وأولئك الذين اختاروا البقاء فيها- لا أجد من أحادثه سواكِ أنتِ. لا أستطيع أن أعيد تجميع أجزاء البازل التي تتناثر يوميا - في عالم ليس لطيفا جدا للتواجد فيه- إلا أثناء عملية الكتابة إليكِ. الأمور تبدو أوضح أحيانا، وأقل تعقيدا دائما خلال الكتابة لكِ يا لُجين.

  لُجين.. لماذا اخترت لكِ اسم لُجين يا صغيرتي؟ عندما آخذ تساؤلي هذا وأرجع به وبالزمن قليلا إلى اللحظة التي تخيرت لك فيها هذا الاسم  أجد أنني ربما اخترته لأن طريقة نطقه موسيقية، فيجبر اسمك ناطقه على تليحنه. هل تستطيعين أن تسمعيه؟ لُــــجـــــيــــــن. أو ربما اخترته لأنه  لن يمر مرور الكرام، فسيتوقف ناطق اسمك بعقله ووقته ليتأمله وإن لم يفهم معناه، أو ليحاول أن يدرك معناه وإن أخفق. أو ربما لأنني عندما أهديكِ يوما خاتما من فضة سأستطيع أن أقول لكِ "أهديكِ خاتم من لُجين للُجين" فأثير فيكِ ذكائك اللغوي وأستدرجك معي للعب بالكلمات. أو ربما اخترته لأنه اسم جميل وكان هذا سببا كافيا لي حينها.

  تستطيعين أن تلاحظي أن أمك شاعرية جدا، ولن تمنعك ملاحظتك عن التساؤل  عن سبب اهتمامي باسمك كل هذا الاهتمام. يقول العرب منذ القدم إن لكل شخصٍ من اسمه نصيب. وأنا أتمنى أن يصيبك نصيبك منه إذا وقع الاختيار عليه،  فيشارك معدنك معدن الفضة في صفاته. فلا أراكِ تكبيرين أمامي وأنتِ قابلة للطرق تحت تأثير الأزمات وحسب، ولكن أتيقن أنك قابلة أيضا للصقل بخبرة الحياة على كثرتها واختلافها، وأن تكوني مثلها موصلة جيدة للحرارة بدفء روحك وبياض قلبك. وإن لم يقع الاختيار عليه فسأحرص يا حبيبتي على أن يصيب الاختيار اسما جميلا يليق بكِ. ولتعلمي أنه وإن لم يعجبك سأدعمك في تغيير اسمكِ إن أردتِ. لا أريد منكِ أن تعيشي مع اسم تحملينه وأنتِ تكرهينه. أمك ليست مثالية يا لُجين، واختياراتها ليست صحيحة دائما. قد نختلف كثيرا أنتِ وأنا، وقد لا يروق لكِ ما يروق لي، لكنني أحبك.


  قد تتخيلين أنني سأقول لا، لكنني لن ارفض لكِ طلبك إن أردت السفر خارج المدينة التي نسكن بها. أنا لا أخاف من تصرفاتك، ولا من عواقبها، لكنني لا أتخيل أن  تمشي قطعة من قلبي لتبيت بعيدا عني. أريدك قريبة. أريدك هنا. أريد أن أراكِ تذهبين وتجيئين وتملئين حياتي بالسعادة يا فراشتي. أريد أن أضمك إليّ وقتما تشائين ووقتما أشاء. ستكونين لي في هذا الحين مصدر بهجة، وشعاع نور، وطاقة فرحة فلا تكسري قلب أمك وتطيلين الغياب والسفر.  

  تذكري يا حبيبتي أنني أستطيع أن أمنعك من وضع يدك في مكبس الكهرباء حتى لا تصعقي. وسأبعد يدك الملوثة عن فمك حتى لا تتأذي. و سأحاول أن أمنع عنك ما قد يصيبك بأذى قبل حدوثه، كنت أتمنى أن يظل الوضع هكذا، لكن مواجهتك أنتِ مع معنى الأذى في العالم تبدء عندما تخونك قدماك فتسقطين على الأرض الشريرة. اكشفي ذراعك الأيسر وانظري إلى مكان الجرح الذي أصابه عندما سقطتِ وأنتِ تلعبين. لازال أثره موجودا، أليس كذلك؟ لن أستطيع أن أضمن لك بأنني سأنقذكِ دائما قبل ارتطامك بالأرض، ولكنني أعدك بأنني سأكون هنا لأضمك إلى صدري ولأضمد جراحكِ.

 ستكبرين وترتطمين مرات لا حصر لها. ولن أستطيع أن أحبسك وراء لوح زجاجي تشاهدين الحياة دون أن تعيشينها. عليكِ أن تتفهمي أنه للعيش ضريبة تكون خدوشا وجروحا ستعودين بها. ربما سيُشفى بعضها، ولكن بعض الجروح لن تُشفى أبدا. وأثر كل ما سيحدث لكِ لن يذهب. كل شيء يحدث لنا يترك أثرا في الجسد أو في الروح  يا حبيبتي. تذكري أنكِ قوية يا حبيبتي. أنتِ قوية. ستعاودين للوقوف على قدماكِ مرات أكثر من المرات التي خانتك فيها القدمان نفسهما. تمردي. تمردي على خوفك قبل خوفي. أنا لا أخشى تمردكِ ولكنني أخشى أسئلتك.

 ستسألينني أحيانا عن أشياء بديهية أخذتها أنا من المسلمات لوقت طويل دون أعرف السبب. ستسألينني منذ أن تتعلمي الكلام عن الماورائيات، وعن كل شيء تقع عليه يدك الصغيرة و كل شيء تراه عيناكِ الجميلتان. ستسألينني  من الله؟ وأين هو؟ ولماذا أنتِ هنا؟ وأين يذهب الموتى؟ ومتى سنقابلهم مرة أخرى؟ ولماذا ماتوا؟ وماذا يعني القدر؟ وكيف أصبح الكون كونا؟ وكيف جئتِ؟ وما إذا كان الدولفين يلد أم يبيض؟  وأنا لا أملك كل الأجوبة يا حبيبتي. ولا أقنع بالإجابات التي بحوذتي والتي حفظتها عن ظهر قلب في المدرسة. أنا لازلت أبحث عن الأجوبة. وأتمنى أن اهتدي لها قبل أن تنيري أنتِ حياتي.

 ستعودين يوما ما تبكين عندما تقول لك مدرستك الغبية أنك لست بنتا صالحة. وسأقول لك حينها  قبل أن تتأثري بأراء الناس وبكلامهم عليكِ أن تفرقي بين من يريد نصحك وبين من يريد هدمك وبين من يريد أن ينفس عن مرضه. وعليكِ أن تحافظي على تعريفات الأشياء في رأسك. من هو الإنسان الصالح؟ هل هي المدرسة التي عندما تنظر إلى طالبتها لا ترى إنسانة ولكنها تراها على شكل ورقة فئة المئة جنية؟ هل الإنسان الصالح هو الذي يصلي الفروض الخمس، ويستغل مجهود موظفيه في العمل لأن لديه منصب أعلى؟ هل هو الشخص الذي تعكس تصرفاته قلبا تأكل فيه الكراهية وتجعله يزحف كالثعبان ويؤذي من حوله في الخفاء؟ هل الإنسان الصالح هو من يشهد له الناس بالصلاح؟ ماذا عن قلبه؟ ماذا عن أعماق روحه؟ من هو حين يكون وحيدا؟ من هو خلف الأبواب المغلقة؟ أصالح هو حين لا ينظر الناس؟ كل ما أعرفه أن حدسك سيعرف لك الصلاح. ستشعرين داخل قلبك بالأشياء وصلاحها. سيفرق حدسك بين ألوان الناس والأفعال. ثقي بحدسك يا حبيبتي. أحيانا لن تملكي سواه. 

 لن أتوقف عن الكتابة لكِ. قد تطول المدة بين الرسالة والأخرى لكنني لن أقطع رسائلي. هناك الكثير الذي أريد أن أخبرك عنه. وإن وجدت شيئا غير واضحا لكِ تماما عاودي القراءة. أعلم أنكِ ذكية وتفهمين ما وراء الكلمات. أريدكِ أن تعرفي أنني أفكر بكِ، وأحبكِ.



الأربعاء، 21 مايو، 2014

يعني إيه كلمة وطن؟




  في مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات تقريبا أخبرتني صديقة أنها ذاهبة للتظاهر. هل مرت فعلا سنوات ثلاثة؟! على ما يبدو نعم! فوفقا للتقويم وللنتيجة المعلقة بإهمال على حائط مطبخنا مرت ثلاث سنوات على ذلك اليوم الذي كانت تمتلك فيه صديقتي سببا واضحا جليا لتقدم على فعلتها هذه منذ البداية وهو أنها تتظاهر الآن حتى لا يؤذى أحدا تحبه من بطش سلطة ولا من فقر لا الآن ولا في المستقبل. وكانت طريقتها في ذلك هي رفع صوتها والنداء على حقوق معيشية إنسانية تائهة: أكل آدمي، وتعليم جيد بمقابل زهيد، وعمل يقدر العاملين معنويا قبل ماديا ، وحرية الخروج عن القطيع إن أرادت، وأمان يضمن لها كل هذا دون أن تَسجن أو تَقتل أو تذهب  وراء الشمس. في الحقيقة لم يك  يفرق معها انتماء السلطة السياسي – ولا حتى الديني-  بقدر ما كان يفرق معها أن تتوافر لها ولمن تحب تلك الحياة التي وضعت لها خطوطا عريضة.

  لم تك تحركها الكلمات الرنانة التي تدعو للحفاظ على الوطن من الضياع، ولم تصدق أبدا في شعار "نموت نموت ويحيا الوطن".  يمكن للكلمات البراقة والشعارات اللامعة أن تخفي وراء بريقها حقارة تتيح لمن يتصف بها أن يلهب حماس الجماهير الغافلة أحيانا والجاهلة دائما فتموت تموت الجماهير - لا ليحيا الوطن-  بل ليحيا محركي الجماهير في فسح من العيش. ومحركي العرائس في مسرح الوطن قد يلبسون إما قفازا من سندس وإستبرق ويحركون به عرائسهم نحو الخلاص، أو يلبسون قفازا لونه لون الصحراء يحركون العرائس به نحو الاستقرار، أو يلبسون قفازا من الجينز يحركون به العرائس نحو الديمقراطية. 

  وكانت تعرف أن تمرد العرائس على محركيها- وإن حدث- فلن يدوم، وإن قطعت العرائس خيطا أو خيطين على الأكثر، فهي لن  تجرؤ على تقطيع الخيوط جميعها، وأنه سيمر وقت أقصر مما يتوقع أحد حتى يعود إحكام سيطرة محركي العرائس على المسرح كما كان دائما.  في حظة ما كانت صديقتي جزء من العرض. ولأن خيوطها لم تك محكمة بالشكل الكافي، ولأن على معصمي يدها مادة طاردة للقيود، ولأنها لم تك تشبه باقي العرائس فقامت العرائس بطردها من العرض على اختلاف محركيهم. وتحولت إلى مَشاهدة جيدة جدا، وكانت تراقب عن كثب من كرسي الصف الأول في المسرح  على أمل أن يخيب ظنها أو أن يخطيء حدسها، لكن صدقت  توقعاتها إلا أنها لم  تستمتع أبدا بالعرض.

 غريبة هي في بلاد غريبة. كيف لقلبها أن يمتليء بالغربة هكذا في أرض يسمونها زورا وطنا؟! الوطن. الجميع من حولها يرددون هذه الكلمة. يعني إيه كلمة وطن؟ حتى دينا الوديدي تسائلت دون أن تصل إلى إجابه واضحة! الوطن أرض وسماء وبنايات وناس. بعبارة أخرى الوطن هو أرض خراب، وسماء تختنق، وبنايات عفنة، وناس بتنداس.  سمعت صوت غسان كنفاني متسللا قائلا لها "أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث ذلك كله!". ويؤكد لها كنفاني أن الوطن هو كل شيء جميل غير موجود بدلا من كل شيء قبيح موجود. وأقل ما استطاعت أن تصف صديقتي به العرض هو القبح. 

 أخبرها وأخبرني يا غسان هل الوطن مكان أم هو إحساس؟ هل أصابها خللا عقليا ما عندما قالت إنها لا تشعر بصلة تربطها بالأرض التي تعيش فيها؟ وإن الصلة بينها وبين الناس حيث تعيش ليست ارتباطا قويا لدرجة كبيرة؟! جسدها  في مكان وعقلها هارب في مكان أخر. وليتها حتى تستطيع الإمساك بهذا المكان! كل ما تعرفه هو أنه مكانا أخرا تتواجد فيه هي ومن تحب وحسب. هل أخطأت عندما ظنت أن تلك العرائس غبية وساذجة؟! هل جنت عندما قررت أن تحول مسار طاقاتها من الهتاف إلى وجهة الهجرة؟

 هذه الكلمة واسعة كالمحيط. وغير قابله للإمساك بها كمائه التي تتسرب من بين أصابع اليد الواحدة.  أتعرفين يا صديقتي ماذا وجدت  أثناء بحثي عن تعريف الكلمة في المعاجم؟ وسط تعريفاته بأنه مكان الأصل حيث تتواجد فيه أمة يشعر المرء بارتباطه بها وجدت تعريفا للوطن بأنه "بيئة توفر الأمن والســـــــــــــــعـــــــادة".  تخيلي! كلمة السعادة وردت كبندا من بنود الوطن في تعريفه. والسعادة هي فرح وابتهاج "أيْ كُلُّ مَا يُدْخِلُ البَهْجَةَ وَالفَرَحَ عَلَى النَّفْسِ".  ياللمفارقة! وياللفرق الشاسع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون!  ماذا يعني الوطن يا صفية؟ لا أنتي تعرفين ولا صديقتي تعرف ولا أنا أعرف، لكن ما نعرفه هو أنه حتما عكس كل ما هو موجود.  

Share