الجمعة، 1 مارس، 2013

في دورة المياة جلست وبكيت


  سيقولون أن الكاتب مهووس أو مريض نفسي لكن الكاتب على يقين تام أن كل ما هو غير عادى فى خبايا النفس من اضطرابات ليست من ضروب الجنون لا سمح الله، بل تنتج تلك أحيانا عن كون الإنسان المضطرب طبيعيا جدا لدرجة تجعله لا يتحمل كل هذا، فيضطرب. لا يفضل الكاتب فى معظم الأحيان أن يطلق أسماء على شخصياته، فهو يحب استخدام الضمائر (هو) و (هى) إيمانا منه بأن كل (هو) يكتبه و كل (هى) يكتبها أجزاء متناثرة من أعماق أولئك الذين يجدون الفرصة لقراءة ما يكتبه، سواء تعرفوا على هذا الجزء منهم أم لا، سواء اعترفوا بذلك أو اكتشفوا فقرروا دفنه بين ثناياهم وانتهينا.
  
  تكتب: لماذا أنا بالذات؟ لماذا لا يدركون؟ ترفع القلم الأزرق من على صفحة المفكرة الكبيرة و تقلبه وتنقر به على زجاج المكتب مرات غير متناهية. لماذا الآن؟ ترفع القلم ثانية، وترجع يدها اليمنى إلى الوراء وترمى بالقلم بعيدا فيرتطم بباب الغرفة المغلق و يستقر على الأرض، ثم تزيح المفكرة من مكانها و تقرب إليها حاسبها الشخصي، تشغله بسرعة و تبدأ فى الكتابة مرة ثالثة. أنا آسفة، تُحتم على رغبتي الملحة الاعتذار ولا أعرف لمن أعتذر تحديدا. بالأمس انفجرت فتناثرت ولم يتبق مني سوى فتات مشتتة متفرقة على أرضية من أشواك، أريد أن أضم حطامى الى ولا أستطيع. تتزايد ضربات أصابعها على لوحة المفاتيح مع تسارع ضربات قلبها. أردتُ أن أقتلنى فذهبت إلى دورة المياة و أغلقت الباب و أغلقت عيني لأفعلها، بهذه البساطة. كانت الضغوط بالداخل تزحف لتلتف حول بقايا الرغبة فى الحياة و تعصرها لتخنقها. فى المرة السابقة سمعنى الباب وأنا انتحب، وعرفت ذرات الهواء أني اختنق، وشاهدت الحوائط دمي،  وسمع من هم بالخارج بكائي، فى المرة السابقة سال الدم رغما عن أنفى النازف مطيعا أوامر الجسد الذى لم يكن ليتحمل المزيد فاختار أن يعبر بالدم. أردت هذه المره أن ينتهي كل شىء، أردت أن أنهي كل شىء.

  يجلس ووجهه مواجها لوجهي عمدا، يتحدث بعينيه طوال الوقت، يحرص على التعليق على كل ما أقوله وسط المجموعة وإن لم يوجه الحديث مباشرة الي، وعندما وجهت أنا اليه وحده الحديث لم يرد، زاغ بصره، نظر الي ولم يرني. انسحبت بهدوء مصطنع و لملمتنى و أخذتنى على دورة المياة، و فى دورة المياة جلست فبكيت. بدأ الثعبان في الزحف و بدأت القطة فى التمرد، لم يكن اليوم فقط سيئا بل كان اليوم وأمس وأول أمس، الأيام جميعها صعبة حتى أني لا أتذكر منذ متى تحديدا، ولأننا نعتاد السىء يحدث الأسوء فنعتاده ولإننا نفضل الموت على أن نظهر أمام الأعين ضعفاء فنحترف لعبة الأقنعة، ضع قناع العمل و قناع الشارع فى الصندوق فوق الثلاجة، ولا تخلط بين قناع الأفراح وقناع المآتم، ولا تنس قناع الابتسام فى الصور، واحفظ جيدا القناع الذى تخلع بعده قناعيين آخرين أو ثلاث حتى تصل إن استطعت إلى الوجه الذى نسيت أو تناسيت ملامحة: وجهك. وإن كانت ملامح الوجه تقبل أن توضع فى قالب الأقنعة فتُمحى فإن ملامح النفس المرفرفة تكسر بجناحيها أى قالب مفروض عليها لتظل حرة، فى هذه المره ظلت ملامح نفسى حرة.

  كان يوما عاديا مملا حتى رأيتها، جاءتني نوبة ضيق تنفس مرة آخرى اليوم وبعد أن إستخدمت بخاختى لتهدئة رئتي أسرعت لأجدها ولأعتذر لها عما لم يبدر مني، اُصبت بضيق التنفس في اللحظة التى بدأت فيها معي الحديث، لا أقصد أنها تسببت فى اختناقى، بل كانت اللحظة التى أسعى اليها منذ زمن. لماذا الآن يا رئتي؟ وجدتها تمسك بحقيبتها على كتفها الأيمن وتضمها ناحية صدرها كأنها تستمد منها الأمان، لم تنظر الي ولم تتهادى فى مشيتها بل سارت بطريقة غريبة عليها فمرت من أمامي مسرعة ومتخبطة. مشيتُ على مهل لأعطيها فرصة لتجفف دموعها أو لتخفيها كما تحب، أنا محظوظ بشكل كاف يجعلني أعرف وجهتها، وجدتها جالسة أرضا في الحديقة أسفل المبنى فنزلت بجوارها دون تردد ودون تفكير، وبالرغم من أني أردت الجلوس مواجها لها لم يسمح المكان بهذا كما أني لم اُردها أن تهرب لا من عيني ولا من المكان ولا مني.

- أنا مكنتش أقصد إني مردش عليكى، اللى حصل إني...
- عادي
- بجد مكنتش اقصدها متزعلـ....
- ولا يهمك

   يخبر الإيشارب المزركش بالدم الملفوف على معصمها أهم جزء فى الحكاية، لم أكن لأستوعب فى البداية أن كل هذه الرقة الأنثوية الكائنة فيها يمكن لها أن تفعل هذا بها، أما أنا فكاد الشعور بالذنب أن يقتلنى.
- فى مستشفى قريبة منهنا، يالا بينا؟

   ظننتها ستكابر وسترفض لكنها استجابت. في المستشفى لماذا يسأل الطبيب عن سبب الجرح وهو يعلم؟ لماذا ينظر إليها على أنها خطر كامن وكائن بمجرد وجودها فى الغرفة؟ لماذا ينظر الي بشفقة؟ يدفعني الشعور بالذنب دفعا لمعرفة السبب وراء فعلتها تلك وبدأ في التلاشي شيئا فشيئا عندما قررت أن تُطلعنى على الأسباب وراء ما اقترفته بحق نفسها، وبحق رقتها، وبحق  يدها الجميلة. وبذكر الأيادي طلبت منها أن تتزوجني فرفضت، ظننتُ أني بذلك أمنحها ولو قليلا من أمان تحتاجه لكني كنت أحمق للمرة الثانية على التوالي فتسبب تسرعي على ما يبدو فى زيادة الضغوط بداخلها، إبتعدت هى فابتعدتُ تباعا، إختفت هى وكالعادة وجدتها.

   كنت ابتعد بقدر ما كنت أحتاجه، وبقدر مسافة البعد كان تفهمه للوضع، أعطاني رواية وكتبا عن شىء ما يسمى اضطراب الشخصية الحدية. ألقيت نظرة سريعة ووجدت فى أحد الكتب الذى أعطاني إياها أن اضطراب الشخصية الحدية ذلك هو نمط من أنماط تقلب المزاج وتقلب صورة الذات ويستدل عليه من الغضب الشديد غير الملائم للموقف وأذية النفس والإكتئاب.
- اضطراب الشخصية الحدية؟ الحدية بتتنطق إزاى؟
- حدية من حد، من حافة، الحافة اللى بتدفعك ليها اللخبطة اللى جواكى فترمى القلم أو تكسرى كوباية أو...
- أنا مريضة نفسيا؟!
- كل حاجة ليها اسمها،  إحنا بس اللى مكناش نعرف وأما بنعرف بتتكسر شوية حدة الحاجة
- بتقول حكم حضرتك!

  عندما يكون المريض أكثر ثقافة وتفتحا من الطبيب تحدث معجزات، كان بإمكانه اخبار طبيب المستشفى عما فعلته أنا ولكنه لم يفعل، ما فعله هو أنه جعلني أتعرف على ما أواجه، الثعبان الزاحف بداخلى هو اضطراب كاضطراب الأمعاء وكاضطراب الدورة الشهرية، شيء عادي واعتيادي لا يستدعى لا السرايا الصفرا ولا الخوف. شفيت من الاضطراب المدعو هكذا بالمعرفة.

- أنتِ شخصا مختلفا يريد أن يكون مثل الآخرين
- وهل الرغبة فى الاختلاف مرض خطير؟
- تكون الرغبة فى الاختلاف مرضا عندما تجبرين نفسك على أن تكوني كالآخرين
(1)

  أحببتها ولم أستطع الزواج بها، إلى هنا هو أمر شائع الحدوث يتسبب فى أرق ووجع فى القلب أحيانا لكني حولتها إلى أدب كي أشفى منها كما شفيت هى. أشير إليها بـ(هى) لإيمانى بأنها جزء من أعماق أحدهم سواء أدركوا ذلك أم لا، أهديتها إلى كل من يلتف الثعبان حول عنقه أحيانا سواء تعرفوا على هذا الجزء منهم أم لا، سواء اعترفوا بذلك أو اكتشفوا فقرروا دفنه بين ثناياهم وانتهينا.

                                                                تمت.


 (1) من رواية فيرونكا تقرر أن تموت بتصرف

الثلاثاء، 29 يناير، 2013

تذكرة ذهاب فقط




  أحيانا.. بل دائما.. دائما ما أشعر أنى لا أنتمى الى هنا، الى هذا المكان و هذه اللحظة و حتى الى هذه الحقبة الزمنية، ولأنى لست متأكدة بعد ما إذا كانت هناك حياة على كوكب أخر، ولأنى لا أعرف سوا أن كوكب الأرض هو كوكب الحياة تنمو بداخلى رغبة يوميا فى الهروب، قد يكون الهروب الى الطعام، أو الى النوم، ولكنه فى المعظم رغبة فى الهروب الى مدن جديدة لا أعرفها و الى أن أكون بصحبة أناس جدد أقابلهم لأول مرة.

 لجهلى كنت أسميه هروبا ولكنى لم أعد أسميه هكذا منذ عرفت أنه هناك أخرون مثلى لا ينتمون الى هناك أيضا يسمونه بشهوة حب السفر و التجوال. وإن لم أكن مخطئة فإن هذا التعبير من أصل المانى استعارته اللغة الانجليزية وهو مشهور فى  الثقافتين كلتيهما، أما عن العربية فإقتران كلمة شهوة بأى شىء يجعله منبوذا، ويمكننى هنا أن أخبرك أن تعبير كهذا ليس دارجا أو حتى معلوما فى الثقافة العربية و أغلب الظن لن يفهم أو يتفهم أحد تلك الرغبة فى السفر و التجوال.

 وبسبب هذا المرض – أو هذه النعمة حسب وجهة النظر- دائما ما أريد تذكرة ذهاب الى مدينة ومنها الى اخرى، أريد أن أكون فى حالة سفر دائم، سفر فعلى ليس سفرا فكريا وحسب، تذكرة الذهاب هذه تصبرنى على ما أرفضه فى اللحظة و فى المكان، هى من المسكنات الجميلة التى تلعب بعقلى وتجعله يفرط فى الاحلام، وعقلى يتشبث أكثر بما يراه من شوارع واسعة و مقاعد الطريق الخشبية و أوراق الأشجار الملونة المتساقطة و بالورود و الأزهار و بالبيوت الملونة و النوافذ المفتوحة و العصافير و أصواتها فى الأنحاء وببشر يتحدثون بهدوء ويضحكون بصوت عال وبكل الصور المحتمل إلتقاطها و بكل الوجوه المبتسمة و الملابس البسيطة، أريد تذكرة ذهاب الى هناك- أيا كان- بلا عودة. و حتى تلك اللحظة سأضطر لتحمل هنا و من هم هنا طالما لدى تذكرتى السحرية الى أن أمسكها بيدى.  

الاثنين، 31 ديسمبر، 2012

فـرحـة الفـرح



                             
                              


                            حفل الزفاف
 
 هل أخبرتك أنى لا أريد حفل زفاف؟ حسنا أنا أخبرك الان، لا أريد حفل زفاف. لم أعش حفل زفافى فى مخيلتى قط. ما الهدف من حفلات الزفاف سوى جمع بعض الهدايا التى سنتسلمها على أية حال! ما الهدف سوى أنه من التقاليد. إشهار؟ أتظن أنه فى مجتمع كمجتمعنا - يراقب فيه الجميع الجميع وتتفحص فيه النساء أيادى بعضهن قبل التعارف- أتظن أنهم لن يعرفوا من تزوجت من من؟! مناسبة الفرح ليس بها فرحة،  أى فرحة فى أصوات صاخبة، و زفة نكون بها فرجة، و أطعمة تفسد أمزجة المدعوات وتشغل تفكيرهن بين استسلام و استمرار، و نظرات تقييم من الحضور؟ هل لاحظت وجوه عازفى الالات الموسيقية فى حفل زفاف ما؟ ليسوا سعداء، هذه مهنتهم وهم يؤدونها وحسب، الملل موجود حتى فى حفلات الزفاف التى لا تحدث فى حياتنا سوى مرة واحدة.

                   
                   

                          فستان الزفاف

 
الفستان أهم من الحفل، وإن كنت قد أسقطت الحفل من قائمة أحلامى فالزفاف لن يتم الا بالفستان. فستان الزفاف فى حد ذاته فرحة، فرحة وهى تختاره، وهى تبتاعه فرحة، و هى ترتديه يوميا حتى ميعاد الزفاف فرحة، و وضع الفستان بجوارها أثناء النوم تماما كما كانت تفعل مع ملابس العيد فرحة، و نظرة الأم الى ابنتها مرتدية فستان الزفاف الأبيض فرحة. و النزول الى الشارع نهارا بفستان الزفاف ضاربة بالتقاليد عرض الحائط و الرد على سؤال الجميع "أين سيقام الحفل؟" بأنه "مفيش حفل، احنا مسافرين" مع ابتسامة عريضة على وجهك ووجهى، و التقاء نظراتك مع نظراتى، و ضحكنا المكتوم المعلن عن خططتنا، كل هذا فرحة.


                                         

                          مكان الزفاف

 
المطار..سيكون زفافنا فى المطار. سنستدعى المأذون الموقر ليعقد قراننا فى المطار. كل من فى المطار بجنسياتهم و ألوانهم هم المدعوون و هم الضيوف، وكلنا ضيوف المطار. من وصل لتوه من بلده الى المطار، و من على وشك ركوب طائرته عائدا الى بلده هم ضيوفنا الذين لا نعرفهم مسبقا و الذين سيتجمعون حولنا و يشاهدوا فعاليات الزغاريط و يشاركوا بحماس فى التهنئة هم من ستبقى وجوههم معنا فى الصور.  الصورة الكبيرة بها أنت و أنا و أهلك و أهلى و أصدقائك و أصدقائى و وجوه كانت اول ما إستقبلته فى هذا البلد هو حفل زفافنا، و وجوه أخرى اخر ذكرى لها هنا هى حفل زفافنا، و وجوه ستكون على نفس طائرتنا وحينها سينضموا الى قائمة اصدقائنا المشتركين.
  
 

Share