الاثنين، 13 يناير، 2014

فراشة الضوء


 تحاول التعايش مع الدمار بداخلها. تسعى للتعود على صوت الإنفجار في كل مره يعيده عقلها عليها. تعمل جاهدة على تقبل بقايا الحطام الأسود بين ضلوعها. تلفظها كل طرقات الليل فتسير مشردة.  تخسرها كل الشوارع المظلمة فتتحول لجوالة مسلوبة الأمل.  لا يشعر جسدها المخدر بالبرد. ويتسبب الصقيع في تآكل روحها من الأعماق. تبقى معلقة في حالة من اللاحالة. فهي لا تنتمي لعالم الأموات ولكنها لم تعش. لم تفقد الوعي ولكن ذهنها لا يسعفها. ميتة أُعيدت إلى الحياة، ثم سُلبت منها عنوة، فظلت معلقة بين البرزخين. 

 في وسط الظلام تلمح نقطة ضوء صغيرة تلمع في الأفق البعيد فتخطف عينها الزائغة. تُجمّع قواها لتقترب من الضوء. تقاتل الأصوات الصارخة في رأسها بعدم جدوى الوصول.  تتناسى كل المرات التى أغراها فيها الأمل بالسفر وخذلها وتركها مبعثرة على أرصفة القطارات وعلى أرضيات المطارات. تطأ بقدمها على كل موضع ترابي نزلت عليه دمعة من دمعاتها فاصطدمت به  وحفرت أثرا. تمحي آثار الدموع المالحة من على تراب الطرقات. أهون عليها أن تدوسها هي من أن تمحيها قدم المشرد القادم من بعدها سالكا الطريق نفسه. يتراقص الضوء من بعيد، وينكسر قبل أن يصل إلى عينيها من خلال الدموع. تُكابر جرحها، وتواصل السير، فتقترب من مرادها. 

 هي ضائعة لدرجة تجعلها لا تهتم بالنظر إلى مصدر الضوء. لا تملك وقت لتضيعه بتأمل مصدر الضوء، فاكتفت به نفسه. يملأ الضوء عليها عينيها. وتبدأ في الحوم حول الضوء. تحوم في دوائر كبيرة متكررة نقطة قطرها الضوء. تزيد من سرعة قدميها وتحوم في دوائر أصغر بانتظام يتعاكس مع عدم اتزانها. تختصر المسافات وتقلل أقطار دوائرها وتقترب من المركز. تفقد قدميها فجأة وتعتمد على أجنحتها. تطير حول الضوء وتدور وتقترب. تحوم بسرعة أكبر ويزداد اقترابها. تدور وتقترب ويذوب جناحها الأيمن. تقترب وتحترق ويختفي جناحها الاخر. تلتصق بالضوء، وتحرقها النار، فتمتزج بها كما أرادات. وتموت. 

الجمعة، 10 يناير، 2014

ذات خريف



يقولون إن الصيف هو أحسن الفصول الأربعة، وإن الربيع أبهجهم، وإن الشتاء أجملهم.
ولا أحد يذكر الخريف أو يتذكره. لا يجيب الناس عادة عندما يُسئلون عن فصلهم المفضل في السنة بأنه الخريف. لا أحد يملك أسبابا لتفضيله على أي فصل اخر. لم يتذكره أحد سوى "حياة". 

 كانت هي كنسمة خريف باردة في الصباح، ودافئة كشمس الخريف الهادئة، وخفيفة كورقة شجر تاركة نفسها للهواء، فيأخذها بعيدا عن غصنها الذي سقطت عنه، وبعيدا عن أرضها التي حفظتها. وكان جزء منها يشارك ورقة الشجر ذاتها في ذبولها. فصاحبة الأحلام المصفرة بعد إخضرارها كانت مُهمَله كالخريف. 

  تسير "حياة" وهي مستسلمة بالكامل لسماعات الرأس. تغني فيروز في أذنيها "حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتي". كلاهما فصول متطرفة في الحرارة أو في البرودة، أما الخريف الذي كان نسيا منسيا هو النقطة الزمنية الانتقالية بينهما. ربما لا يناسب مشاعر الحب الأهوج سوى فصلين كهذين. أما الخريف فيناسبه حب عميق عمق النفس، ضاربا بجذوره في القلوب المحبة بعيدا عن البهرجة، فيبدو أقرب لوردة حمراء أصرت على الازدهار رغم جفاف التربة.
 

 ليل الشتاء بارد وطويل، ولكن ليل الخريف، لحكمة ما، يتساوى مع نهاره. فالحب الخريفي متوازن توازن ساعات النهار المزدحم مع ساعات الليل الرائق في الفصل المنسي. تتساقط فيه أوراق الشجر مثلما تتساقط فيه صفات بشرية عن إنسان قرر أن يفسح المجال أمام نقاط النور لتزينه كما تعيد الأوراق الخضراء تزيين الأشجار. 

 للسقوط فصل. والخريف هو فصل الوقوع. هو فصل سقوط أوراق الأشجار، ووقوع القلوب في الحب. وكانت حياة تشبه الفتاة ذات الوجنتين الحمراوتين التي تذهب للحقل للحصاد. دائما ما كانت لوحات الغرب تجسد الخريف في هيئة فتاة تشبها. ورغم ذلك كانت مثال حي لكآبة الخريف التي سكنت قصائد الشعراء الإنجليز الرومانسيين. يمر الخريف و يُنسى لأنه هاديء جدا وقليل الضجيج. وكذلك تُنسى "حياة"، وتجد في النسيان حرية حركة أوراق الشجر المرمية بإهمال في الطرقات. 


 

الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

دمى الظلام





تختنق الغرفة لقلة ذرات الهواء التي تعاني أثناء دخولها من النافذة الضيقة. تلفظ جدرانها الباردة من يدخلها. وتختنق الدمية التي ترسل نظراتها للمراقبة. عيناها الباردتان كالغرفة تراقبان الجميع في صمت وحذر. تجلس كقطة تراقب فتلاحظ فتصدر الأحكام. تسخر من سائر الدمى في رأسها لأنها ترى ما لا يروه. تهزأ بهم لأنها تعلم ما لا يعلموه. جميعهم مرضى نفسيون. ليست المشكلة في مرضهم، لكن المشكلة في أنهم لم  يتوقفوا للحظة ليتسائلوا إن كانوا أسوياء أم لا. وإن وصلوا إلى مشارف الاعتراف تراجعوا و أنكروا. ولم يحدث قط أن تفكروا في أسباب مرضهم. ولم يسعوا -حتما -إلى علاج أنفسهم وإلا لما كانوا مسخا هكذا.


  تتوجه عينا الدمية إلى الضحية الأولى والأخيرة، تركز على أكثر الفتيات حدة في المكان وترسم حولها دائرة حمراء لتضعها في بؤرة الصورة. للدمية عيون تمكنها من رؤية الخيوط البيضاء السميكة المربوطة بيدي المرأة والخيط الملفوف حول عنقها.  يتحكم أحد الخيوط في شفتها السفلى فيتسبب في غياب ابتسامتها بشكل تام. تبتسم الدمية فتستنكر الحادة ابتسامتها لعجزها. فتتأمل الحادة عفوية الدمية في إنبهار من يرى الشمس للمرة الأولى، ويتحول الانبهار لسخط، ويصبح السخط بدوره طاقة سوداء من الحقد. يمسك خيطان آخران بجبهتها ويشدانها إلى أعلى ليجعلا من وجهها أكثر عبوسا فتبدو علامات الشيخوخة جلية على وجهها بالكامل. وتشد بعض الخيوط أجفانها لتتسع عيناها لتكون أكثر حدة وجمودا. 


  تتوقف عينا الدمية عن التصوير وتبدأ في الضحك . تسائلت في رأسها ماذا ستفعل لو رأت الحادة نفسها بنفسها وهي خاضعة للخيوط. تستمر الدمية في ضحك هستيري. لكل خيط صاحب. فخيط المجتمع الملتف حول عنقها أكثرهم سمكا. ويتكون خيط مشاكل نشئتها من خيطان مزدوجان حول اليد اليمنى. ويتشابك خيط الوحدة مع خيط الاحتياج العاطفي فيلتفوا حول باقي الجسد فلا تستطيع التفريق بالعين المجردة بينهم.  تمتد الخيوط البيضاء الطويلة للأعلى. كلما رفعت رأسك معها تراها مستمرة في الصعود. تستمر عيناك في الصعود بالنظر حتى يؤلمك عنقك فتقرر إنزاله.  في طريقك إلى الأسفل سترى النقطة التي تلتقي بها الخيوط تماما في الصدر.

  يتلاعب الظلام الحالك القابع في دواخلنا بالخيوط، و يحركنا كما يحلو له. يقتات الجانب المظلم من النفس على الخوف. والخوف ظلام. نخاف من فتح النوافذ، ونخشى تمرير شعاع النور إلى الداخل. نقضي سنوات عجاف من أعمارنا في لعن الظلام منتظرين وصول النور، ولكننا لا نحاول الوصول إليه ولا الاقتراب منه أو حتى السماح له بالدنو. نصل دائما متأخرين لأننا نتأخر في إدراك وجوده. نستوعب متأخرا أن اقتراب النور يعني استعدادنا للتخلي عن الظلام. لا يمكن الجمع بين النور والخوف. فإما نور وإما خوف. الظلام منطقة أكثر أمنا لأننا نعرفها. النور منطقة جديدة، تتخلى _أو تنوي التخلي_ في طريقك للوصول إليها عن أسوء ما تحمل بداخلك: الظلام.


 هناك قلوب مباركة تتملص من قبضة الخيوط والظلام والخوف. وكان قلب الدمية من القلوب المنيرة التي تتنبأ سلفا بما سيحدث. للقلوب أصوات تعتمد قوتها على مساحة النور بداخلها. تستشعر القلوب بأن سعادة اللحظة مؤقتة فتجعل منها مصدر للسعادة الدائمة. يخبر النور القلب بأن اللحظة التي أنفق عمرا من عمره  ليكون جاهزا عند استقبالها قد حانت.  فلتحكم قبضتك عليها أيها القلب. فلتترك نفسك للنور حتى تكسر الدمية التي تحبس روحك وراء برودها. فلتحب حتى يدميك حبك. فلتغتسل بالدموع حتى تتطهر. فلتترك للنور حرية الانعكاس على جدرانك. في نقطة ما في المستقبل القريب أو البعيد - إن كنت تملك الشجاعة الكافية- ستعترف لنفسك بأن السعادة كانت هناك بالفعل. اكتملت في نقطة الوقت التي ظننت حينها أن السعادة لم تعثر لك على طريق بعد. أيها القلب فليساعدك النور في أن تجد في ضيق المدينة براحا، وفي خنقتها هواءا، وفي وحشتك أنيسا. فليساعدك النور في تقطيع الخيوط قبل التفافها حولك. 


الجمعة، 8 نوفمبر، 2013

المراية



 أفتح حقيبة يدي لألتقط المرآه المرمية بإهمال في أحد أركان الحقيبة لألقي نظرة سريعة على ما يظهر للناس مني. تبدو المرآه قديمة و قد تخربشت رسومات غطائها المعدني،  وأصبح زجاجها منطفأ. ما فائدة المرآه إذا بهت زجاجها؟ لذلك تركت مقعدي وسرت نحو سلة المهملات في آخر القاعة وهمت يدي بالقائها، لكنى توقفت مذهولة من حقيقة أنني لازلت أحتفظ بالمرآه ذاتها منذ سبع سنوات! منذ سبع سنوات وهي في حقيبة يدي أينما ذهبت. كيف لي أن أتخلص من انعكاس صورتي في أول مرآه أبتاعها لنفسي وأنا لازلت مراهقة تسحب من حقيبة مدرستها المرآه الجديدة لتتأمل وجهها تحت الدكة؟! نسيت بعض من ابتساماتي بذاكرة هذه المرآه. وبعض من الدموع التى تساقطت عليها ولازال أثرها حاضر. لا أدري لماذا كنت أضع المرآه أمامي وأنا أبكي! كنت أبكي أكثر عندما أراني أبكي. أبكي مرة بسبب ما لم تسطع نفسي تحمله، ومره لأني لا أستحق البكاء لكن يجري من عيني نهر من الدموع على أية حال.

 كانت أمى ترفع صوتها في غضب وأنا صغيرة قائلة "لا تنظرىي فى المرآه كثيرا حتى لا يصيبك الجنون". وترد عليها جدتي "دعيها تدرك جمالها". أبكي وتأخذني جدتي بعيدا عن أمي وتجلسني كلعبة على ركبتيها وتمسح على رأسي وتردد وهى تقبلنى أني خُلقت للعب وللضحك. وتُخرج مرآه لا أدري من أين وتمسك بها أمام وجهي وتتدغدني حتى أضحك، وتطلب مني أن أنظر جيدا إلى مرآتها وتنظر هي بعينيها إلى انعكاس عيناي وتخبرني بأن أحتفظ بهذه الضحكة قدر ما أستطعت. ونسيت أن تحذرني من مرآة الحب العمياء. ليتك هنا يا جدتي لأسئلك أين تلك المرآه؟ هل تخلصتي منها مع ملابسي الصغيرة؟ أم لازالت في مكان ما في بيتك الدنيوي مدفونة مع ما قصصته لي من شعري؟ 


قالت لي المراية
تغيرتي عليي
كبرتي متل الحكاية
وشفناكي صبية

تاري البنت مخباية
مخباية بالمراية


ولما قال لها يازغيرة
تحليتي وصرتي كبيرة
صارت تبكي الحلواية
وتضحك تضحك المراية


 وأنا في طريقي إلى أن أكبر سألتني أمي ذات مرة "ماذا ترين في المرآه؟"  أنثى تسعى للكمال كان جوابي. وجاء ردها بأن تلك الساعية للكمال ستدمرني يوما. لم أعد أسعى للكمال يا أمي. ليس لأنني خائفة من أن أٌدمر لكن لأنني وجدت الجمال في النقص وتقبله. أما عن التدمير فأنا أعتقد أن رأسي كفيل بإصابتي بسكون تام يلحقه سكون أبدي. وحتى تلك اللحظة سأظل أتسائل ما الفائدة؟ ما فائدة المرآه إن كان ما يعني حقا هو جمال الروح؟ ما فائدة جمال الروح إن لم تعلن عن نفسها بموسيقى أو برسمة أو بكتاب؟ ما فائدة الكتابة إن لم يقرأ أحد؟  ما فائدة احتفاظي بالمرآه سوى انها محاولة للتمسك بزجاجها المحبوس بداخله سبع سنوات من عمري.

الخميس، 24 أكتوبر، 2013

ويسألونك عن الأحياء



  يودع صديقه بكثير من المزاح بعد أن اتفقا على موعد العشاء في الغد المنتظر. وفي اللحظة التي استدار فيها ليكون مواجها لكبري قصر النيل بدأت ابتسامته في التلاشي شيئا فشيئا ليصبح متجهما ثقيل القلب. "أعادت الحياة الى نمطها الطبيعي هنا اذا؟" يتسائل عقله وهو يتفقد الكتب التى تفترش الأرض غير مكترثا بعناوينها ولا بأغلفتها. عاد لتوه من محافظته إلى القاهرة ليجد بائع الكتب قد عاد هو الآخر إلى مكانه المعتاد بجوار كوبري قصر النيل. تقرر قدماه السير حتى التعب فيطيعها دون تردد ودون معرفة إلى أين ستأخذه نفسه. يستقبله الهواء البارد بمجرد السير على رصيف الكبري، وينظر إلى النيل من فوق السور عله يجد فيه عزاء فيلاحظ انخفاض المياه عن مستواها المعتاد وعن مستواها في المرة السابقة التى رآها بها منذ عامين. النيل نفسه في حاجه لمن يواسيه.

 شهد وشهد النيل معه المواجهة الأولى له. يسترجع عقله خط الأحداث كاملا من البداية. يذكر كيف كان يسخر من منظر الصناديق الخضراء الضخمة التى يتسلقها المغامرون ليقفوا فوق أسطحها المليئة بالتراب كعقول سائقيها ومستقليها ليلوحوا من فوقها بعلامة النصر.  كان مذهولا من إهدار تلك الكمية الكبيرة من الماء برشها على مجموعة يحلو لها الصلاة على الكوبري! لا زال يتذكر أنه كلما اشتد تدفق الماء اكتملت الصفوف وسُدت فجواتها. وكان يسأل نفسه لماذا تفرط تلك الكائنات في نشر سحب كثيفة من الغاز المسيل للدموع في سماء القاهرة الكئيبة؟ نستطيع أن نبكي بأنفسنا والله! نعتذر منك نهر النيل لكننا متضطرون لرمي قاذوراتهم في مياهك علنا لا نختنق.

 يختنق ويشعر كأنما اجتمعت صخور الصحاري فوق صدره عندما يصل إلى تمثال عبد المنعم رياض  فيقف يتآمله في صمت. لا يسمع شيئا من آلات التنبيه ولا يكترث بالمارة الذين يتخبطون به دون اعتذار. كان على وشك البكاء لكنه كاد يُجن عندما شاهد شفتي التمثال تتحركا ليأتي من بينهما صوت عميق.  يتحدث صوت التمثال الملىء بالشجن عمن رآهم يقُتلوا هنا. ويخبر السائر على غير هدى بأنه يود أن يذهب للإدلاء بشهادته، وأنه لا زال يحفظ وجوه القتلة والمقتولين. يخفض صوته وتأتى نبرته أكثر شجنا عندما يخبره كيف أن البشر اللذين تجمعوا هنا ذوات مرات  لم يحترموا وجوده وكأنهم نسوا تماما أنه يشاهدهم قاتل ومقتول، لكن لا حيلة له سوى الوقوف في مكانه متفرجا. ينزل من على مسنده ويسير ببطء في أرجاء الميدان الذى يحفظ ذرات ترابه فيتبعه السائر على غير هدى حتى يصلا إلى عمر مكرم. يستقبلهم في حزن وصمت مطبق. فقط يحرك يده ويشير إلى عدة أماكن متفرقة على الأسفلت. لم يدرك السائر أن تلك الأماكن هي أماكن استقبال بقع الدماء التي تشربها الأسفلت وأخفاها بباطنه إلا عندما أشار له عمر مكرم بالتحرك سريعا من مكانه. وطأت قدماه خطئا بقعة دماء كانت هنا منذ وقت ليس بقليل. 


 مبكتش ولا بكيت
منستش ولا نسيت
ببص فجأة لقيت
موتى بقم أحياء

 يتركاه ويذهبا لشارع عيون الحرية ليلقيا التحية على الأحياء الزوار. يتبعهم السائر فيرى مذهولا أشخاص لها هيئة شفافة كالزجاج، وخفيفة كالنسمة، ولها أجنحة تشبه أجنحة الملائكة في كتب الأطفال، ولها وجوه مضيئة كالبدر. يأتون من قلب الشوارع كافة ليجتمعوا في شارع واحد. ويبدون مألفون بعضهم لبعض. يتحدثون ويضحكون حتى شعر السائر بأنهم هم الأحياء وهو ليس إلا مجرد دخيل ميت عليهم. يسيرون في الشوارع بحرية، فلم تعد تأذيهم إحتمالية ارتطامهم بالسيارات المسرعة أو اختراق الرصاصات المقصودة لأجسادهم. يمتلىء الميدان بهم ويصبح لهم رغم الأموات الداخلين والخارجين، السائرين والجالسين. يأتون من نواحي الميدان كافة. 

 ينظر إلى يساره فيجد طاقة من النور تقترب. وينظر إلى يمينه فيجد طاقة نور جديدة قد وصلت. ينظر خلفه فيتعجب من جمود الماره الأموات. كيف لا يتوقفون لحظة لتآمل مشهد كهذا؟ كيف يمرون دون أن يتذكروا ما شهدته هذه الأرض؟ أراد أن يمنع أحد المارة من دهس بقعة دماء بقدمه فلمح في عيناه نظرة استهجان تتهمه بالجنون. وتسائل عندما اقترب من وجهه لماذا تبدو ملامحة جبانة إلى هذا الحد؟ يعود بنظره إلى طاقات النور فيلمح من بينهم وجه مألوف، ربما كان زميلا في المدرسة أو جارا في الحي السكني القديم. رآه يتنقل بحرية وسعادة وسط السيارات والأموات. يسمع صوته آتيا من الجانب الآخر متسائلا "ويسألونك عن الشهداء؟" قل هم الأحياء. هم الأحياء.


*العامية من شعر أمين حداد بالعبري الفصيح









الأحد، 8 سبتمبر، 2013

خاتم النقاء



حبيبتي لُجين،

  دعيني أصارحك القول بأنني أرتاح كثيرا بمكاتبتك. يبدو أنكِ ستسكنين تدويناتي لفترة ليست بالقليلة. أدعو الله أن يرزقني بكِ حتى تقرئي ما أكتبه لكِ قبل حتى أن تأتي أنتِ إلى الحياة. وأدعو الله كثيرا أن تنيري لي هذه الدنيا، وأن تلامس قدماك الصغيرتان أرضٍ لا تشبه هذه الأرض في شىء. وعندما تسألينني عن اًصولنا سأقول لكِ حسبنا أننا ننتمي للفطرة وللغتنا العربية وللإنسانية، ولن تكوني مضطرة لسماع أغاني مبتذلة تُمجد في الفطرة والعربية والإنسانية. عندما يكون ترديد الأغاني الوطنية ترديدا أبله كل ما يملكه أهل وطن ما فأعلمي أنهم لا يجدون شيئا حقا ينتمون إليه. حتما ستزورين هذا البلد يوما وستدركي وحدك أنه بلد ميت ظالم أهله لا يوجد به سوى القبح والعفن، بل يوجد به أكثر لكن كلمتي القبح والعفن تلخصان ما تبقى وتتضمناه بين معانيهما. 

 لم يسلم حتى الحب هنا حيث أعيش من العفن.  أعرف أن الحب والعفن لا يمكن لهما أن يجتمعا في الجملة ذاتها. أسفة يا بَنيتي فالواقع يحتم عليا أن يكونا مقترنان وألا يتفارقا مادمنا نتحدث عن الحب في أرض العفن. إذا قَدر لكِ أن تعيشي هنا فلا أُريدك ساذجة فتنخدعي بكلام أهل أرض العفن عن أنفسهم بأنهم شعب متدين. هم لا يعرفوا من الدين سوى كحك عيد الفطر وياميش رمضان. المظاهر خداعة فلا تنخدعي بمظهر إنسان قط، ولا تستعجبين من أمتار القماش التي تلف شعر الفتيات وأجسادهن والتى تُنزع بتواطؤ صاحبتها -إن لم يكن بإرادتها- وقت خلوها بمن تسميه الحبيب. فقد الحجاب دلالته الدينية هنا فأصبح الزي التقليدي للفتيات تماما كالكيمونو الزي التقليدي للفتيات اليابانيات. لذلك لا تندهشي من وضاعة بعض المتحجبات في أرض العفن ولا تغمضي عينيكِ في الوقت نفسه عن نفاقهن. الحجاب كما تراه أمك حماية وعامل مساعد على حفظ الروح. أُريدك محمية وأعلم أنك بفطرتك ستهتدين إليه. ولا تُنكر أمك الحجاب ولكنها تقدم لكِ نقدا لصورته الدارجة حيث تعيش. أُريدك أفضل حالا من أمك لذا أطلب منكِ أن تقبضي على حجابك كجزء من هويتك تماما كالعربية يا لُجين. 

 إنه لمن القبح ما يرددنه الفتيات هنا على مسامع بعضهن من منطلق التمدن، ومن القبح ما يفعله أشباه الرجال بفتياتهن من منطلق الحب. لا تستمعي إليهن إن كان عليكِ العيش بينهن. ولا تثقي برجل ينتمي لهذا لشعب المتدين بطبعه إن سمح لنفسه بأكثر مما يستحق فيكِ مُبررا أنكما على وشك الزواج، أو حتى مبررا بأنه يحبك. طوبى للغرباء يا حبيبتي. قولي له في وجهه بلا كل هالمسخرة وارفضي. لملمي نفسك وأحتضني روحك وارحلي.


يا لُجين، إذا كان يرتدي خاتم النقاء في  يده اليسرى فتزوجيه، وإذا أهداكِ خاتم النقاء في احتفالكما الأول بعيد ميلادك فتزوجيهفى بلاد الغرب المارقة يختار بعض الفتيات والفتيان أن يرتدوا خاتم النقاء محفورا عليه عبارة "الحب الحقيقي سينتظر" في أوسط يدهم اليسرى ليعبروا عن نقاء علاقتهم بمن يحبون. فلا يحاول أي من الطرفين دفع العلاقة في طريق وعر يستعصي على الروح غير الملوثة قبول سلوكه. هذا في بلاد الغرب المنحل. أما عن بلادنا التي يكون بها نقاء العلاقات شىء من المسلمات تتلوث فيها الروح جزءا فجزءا فتماما فكليا. ولا يمارس بها أحد النقاء إلا من رحم ربي. الجميع يخطف من الجميع والوقت ما يمكن خطفه، وإن حاولت الحفاظ على المتبقي منك سينعتوكِ بالصفات البشعة جميعها. طوبى للغرباء يا حبيبتي.

تذكري يا لُجين أن الحب يجعل من الإنسان أجمل، ومن الروح أسمى، ومن القلب أنقى وكل ماعدا ذلك هو قناع براق يستسهلون فيطلقون عليه حبا. دعيهم يسمون ما يعيشونه حبا وراقبي في صمت حتى يأتيكِ اليقين. راقبي كيف يتلوثون ويفقدون نقاء الروح والجسد. تذكري أن الحب يوطد الصلة بين الإنسان وبين الله. وأنه يَعين على الحياة، لا يزيد من أعبائها. وتذكري أن الإثم هو ما حاك في الصدر وخاف أن يطلع عليه الناس. وتذكري أنه ليكون جديرا بأن يكون فارسك المقدام عليه أن يحميك من نفسه أولا. وتذكري يا حبيبتي أن ترتدي خاتم النقاء حتى تتذوقي فرحة ارتداء خاتم زواجك من غريب مثلك ومن نقي يشبهك. آسفة لإخبارك بأنه حتى تجدينه سيتعين عليكِ دفع ضريبة إختلافك. فصبرٌ جميلٌ يا لُجين.

السبت، 17 أغسطس، 2013

محظوظ من يموت قبل رفيقه


حبيبتي لُجين،

 
لا يعتبر السابع عشر من أغسطس يوما مثاليا للإصابة بالبرد، فلازلنا في فصل الصيف الذي تحول إلى جحيم على الأرض. لا تتهادى الشمس في إرسال أشعتها الحارقة عبر الغلاف الجوي، ولا يتآنى الطغاة في إطلاق رصاصاتهم القاتلة. ومع ذلك أستيقظت من سلسة الكوابيس لأجدني مصابة به. أكتب لكِ لأننى أكاد أُجن من صمتي وغربتي. لم تعد العزلة مرفأ آمن. لا أجد عاقلا أتحدث معه يا لَجين.  أنتِ على حق، ليس هذا وقت الحديث. إنه وقت الفعل. أخبريني إذا عن الفعل المناسب . الخروج للتظاهر؟ لم يعد مجديا. لم تعد المعركة تشبه شارع محمد محمود. تختلف المعركة هذه المره تماما. لم يعد الحشد لزيادة الأعداد لدعم الصفوف الأمامية في المواجهة قادر على إيقاف القاتل. لم تعد الأعداد ترهبهم، فتتناسب أعداد القتلى طرديا مع أعداد الحشد. تسلم الأيادى. حتى الحفاظ على أرض المعركة فقد معناه. لا توجد أرض محدده للمعركة تدافعين عنها وتثبتى قدميكِ عليها. لقد خسرنا حتى الأرض التى كانت تستضيف المعركة وإن هزمنا عليها. هذا ميدان لم يعد كميداني. 

 ولأنه يعلم يقينا أنه لن يستطع العيش في ظل حكمهم خرج واضعا نصب عينيه الوصول لمكان التظاهر والشهادة وسط الرفاق. لكنه لم يصل. قُتل في طريقه إلى المكان برصاصة طائشة لا يدرى من أين أتته ولا يدرى من أطلقها عليه. لم يمت هاتفا ولم يمت بين الرفاق. كان عزاؤه الأخير في لحظته الآخيرة أن يتمنى أن تكون الرصاصة التى اخترقت رأسه قادمة من سلاح السلطان الجائر، وليس من سلاح لجنة شعبية، أو من سلاح أعداء الحياة .

قال الشهيد للشهيد ف السما الأولى
الطلقة مش طايشة... و الدولة مسئولة
قال الشهيد للشهيد ف السما التانية
الأرض طبّت جنبي مقتولة
قال الشهيد للشهيد ف السما التالتة
الحظ جابنا ...و احنا مش فَلتة
قال الشهيد للشهيد ف السما الرابعة
الدم حيروح فين ... الدايرة مقفولة
قال الشهيد للشهيد ف السما الخامسة
الأرض دي ..متبوعة مش تابعة
لو كان دَعَاكوا نزول ونا لسة وسطيكوا
يبقي ف غيابي تنزلوا أدعى
قال الشهيد للشهيد ف السما السادسة
مين كان من الانبيا مش قلة مندسة ؟
و حكي الشهيد للشهيد م السما السابعة
عن ثورة تانية حتيجي .. أقوى م الأولى

 المواصلات هنا جانب من اللعنة، وركابها هم اللعنة ذاتها. الجميع مسعورون. الكل منوم مغناطيسيا، فلا يرى إلا ما يريد الطاغية له أن يرى، وما قوله إلا ترديدا لأقوال الطاغية. تأتى أخبار عن محاكمة كل من ينتمى للجماعة عسكريا فيهلل هذا وتشمت تلك. لا يعرفون أنهم القادمون. ولا يدركون أننا في آلة زمن فقدنا السيطرة عليها فتعود بنا 10 سنوات إلى الوراء التعس في اللفة الواحدة. ولكٍ أن تقيسي على ذلك باقي ما تعرفينه. يظن المتشائمون منا أنه لن تنكشف تلك الغمة إلا بنكبة أكبر. قد تكون أنباء عن احتلال، أو شروق الشمس من المغرب. ويرى المتفائلون أنهم سيستكملون المعركة مع السلطان الجائر بعد التخلص من الخونة. مساكين!

الدم لون واحد
مفيهوش عبيد و سيد
و إن بعتوا دم شهيد -- بُكرة هتتباعوا
 

  ليست لدى أدنى فكره عن كيفية فك تشابك المشهد الدموى. ولا أعرف كيف سيعيش كل هؤلاء في الشارع نفسه، والحى نفسه، والوطن نفسه. كيف بالله عليكِ سيعيش القاتل مع الضحية مع المفوض مع الرافض مع الشمتان مع المتعاطف مع التائه؟  هل سيبقى أحد على قيد تلك الحياة أصلا؟! تفرقنا فوقف كل على حده. أعلنوها يوما حربا على من سبقهم وفقد السابقون من فقدوا. كانوا وحدهم. واليوم يعلنوها إبادة للفصيل التالى. و سيظل الفصيل وحده. وغدا ستتم إبادتنا جميعا كل على حده. يشاهد بعضنا بعضا. محظوظ من يموت قبل رفيقه. إنه العبث.

                                      وطّى على ودنى ف قلب المسيرة وقال:
                                      كده يبقى فاضل كام شهيد ع النصر؟
                                      كده يبقى فاضل أد إيه على مصر؟




*الأشعار لمصطفى إبراهيم

Share