الاثنين، 14 يوليو، 2014

هل تعلم أن ما تفعله تحرش؟


مصدر الصورة

 بماذا تشعر عندما تسمع كلمة "تحرش"؟ هل تشعر بالغثيان؟ أم تشعر بالخوف؟ أم بالضحك؟ أم لا تشعر بشيء على الإطلاق؟ هل تتذكر كيف بدأت حكايته في مجتمعنا اللطيف، وكيف كان لا يجرؤ إنسان على تسميته بإسمه؟ ثم أصبح المصطلح يستخدم في إتار مقنن، وبنبرة صوت خافتة، وما كان يجرؤ أحد على رفع صوته عن حد الهمس بها؟ حتى زاد معدل حوادث التحرش، وزاد معه معدل حوادث الإغتصاب في شوارع المحروسة، وتعالت معه الأصوات، واتجهت ليس فقط نحو تسمية الأشياء بمسمياتها، ولكن نحو مواجهة المجتمع كله بحقيقة أن تلك الحوادث قد تحدث قريبة من أي فرد من أفراد هذا الكيان المجتمعي، وقد تحدث لهذا الفرد نفسه الذي يظن نفسه بمنأى عنها. لا تزال المواجهة – على طول مدتها - قائمة. ورغم تقبل البعض هذه الحقيقة إلا أن الكثيرين لا يزالون يعتقدون أن الخطأ دائما خطأ البنت. هي دائما الملامة. وإذا سألتهم عن سبب هذه الحوادث سيجيبون بمليء فيهم "ملابس البنت هي السبب". 

 يقول المثل "كلمتين أبرك من عشرة". والكلمتان هما أن عقول العامة تفعل من ملابس البنت شماعة تعلق عليها خيبتهم. وتلوم عليها لأن ملابسها قد لا تشبه ملابسهم، وقد لا تشبه الملابس التي يتخيلون أنها تعمل كدرع حصين ضد المضايقات. ومن المضحك المبكي أن البنت التي يلومونها قد ترتدي ملابسا مثل ملابس أولئك اللذين يلومونها تماما، لكن عقولهم لا تستطيع أن تفهم، وعيونهم لا تستطيع أن ترى. الحل الأسهل للعامة دائما هو أخذ اللوم من فوق ظهورهم وإلقائه بعيدا عنهم، وغالبا ما يتم حدف الضحية به حتى يريحوا هم ضمائرهم من الإحساس بالذنب، ويرحيون افقهم الضيق من التفكير. ومالا يعرفه العامة أنه ويل لمجتمع يسمح لرجاله بإهانة بناته بشتى الطرق. وويل لهم إن لم يفتحوا أعينهم ليعرفوا أن للتحرش عشرات الصور. 

 عندما تركب التاكسي – وأعتقد أنك ستعتزل ركوب التاكسي وستركب قدميك بعد غلاء اسعار البنزين - تسمع أصوات المذيعين منبعثة من الراديو معلقة على 5 حالات التحرش التي حدثت في يوم واحد. وتستنكر أنت وسائق التاكسي أن يحدث 5 حوادث تحرش في يوم واحد فقط ، وتشعر بأن هناك شيء ما خطأ، ليس الخطأ بالنسبة لك هو حدوث الأمر من الأساس، ولكن هو أن يحدث بتلك الكثافة.  والصواب – من وجهة نظرك المتواضعة - هو أن يحدث ما بين حالة إلى حالتين فقط يوميا. هذا هو الطبيعي. هذا  هو المعدل الذي  يستطيع جهازك العصبي تحمل سماع وقوع حدوثه في اليوم نفسه. أما 5 حالات! يإلهي! ياللبشاعة! وكأن الحالة الواحدة لا تستحق أن تنفق عليها بعض من دمك البارد. ينهي سائق التاكسي الذي تزين الدبلة يده اليسرى حديثه بـ"الله يستر على ولايانا"، وهي عبارة اعتاد ترديدها في مثل هذه الأخبارالتحرشية المنبعثة أخبارها من الراديو عبر أصوات مذيعين لا أعرف ما إذا كانوا هم أنفسهم يتأثرون بها أم لا.  وأثناء ما يدعو للشباب الطائش بالهداية، وللبنات بالستر يتابع بنظرات عينيه جسد سيدة تعبر الطريق أمامه. يحدث هذا الموقف اليومي معك ومع سائق التاكسي إذا كنت تنتمي للجنس الخشن. أما إذا شاركته أنت النظرات إلى أجساد السيدات العابرات للطرقات فأنت تنتمي مثله للجنس النتن.

  أما إذا كنتِ تنتمين إلى الجنس الناعم وفي الموقف نفسه فسيبدء سائق التاكسي بالتعليق على ما قاله المذيع. وسيسألك ما إذا كان الإعلام يبالغ في طرح الظاهرة. وسيدفعه فضوله إلى الإطالة في الحديث عن التحرش ليستفزك ولتحكي له عما تعانيه أنتِ شخصيا.  وسواء إذا بحتِ أو ما بحتِ فسيلقي السائق نظرة على  وجهك في مرأته التي تعكس صورتك وأنت جالسه على الكرسي الخلفي، وسينزل بنظره قليلا ليخطف نظرة من صدرك ليقيمك إذا ما كنتِ تستحقين التحرش بكِ أم أنكِ لست مستفزة كفاية لشهوة أمثاله. وإذا بحتِ أو لمحتِ لما يحدث معكِ فسيحكي لكِ عن ابنته التي لم تتعرض لهذا الشيء أبدا، وعن أخته التي لم يحدث معها هذا قط واليعاذ بالله. وسيدعو لكِ طبعا بستر العرض وبالزوج الصالح، لكنه بعدما تنزلين من التاكسي سيتبع مؤخرتك بنظرة حتى تغيبين وسط الزحام عن رصاصات عينيه، وييتركك هو ونظراته مع الاسئلة التي تطل من رأسك ، وأهم تلك الأسئلة: أيها سائق التاكسي، هل تعرف أن ما تفعله تحرش؟

  يمكن لهذه النظرة التي لا تلقي لها أنت بالا، وتعتبرها شيئا عاديا عابرا أن تجعل بنتا في عمر الوردة تكره جسدها عندما تجد رجلا في عمر أبيها يتفحصه إنشا إنشا. بهذه النظرة يكشف الرجل جسدها ويعريها بعينيه، فتشعر هي بأنها تريد أن تضم نفسها بنفسها فتلف ذراعيها حول النصف العلوي من جسمها كأنها تحميه وتتجمد للحظة من الخجل أحيانا، ومن الخوف دائما. يمشي الرجل ويكرر النظرات نفسها مع بنات أخريات وينسى، لكن هذه النظرات تبقى عالقة في جدران ذاكرة البنت و تحرقها كلما عبث بها هواء الذكرى.و يمكن أيضا للكلمات التي تسمعها بنت وهي متخذة الشارع طريقا إلى مكانها المقصود أن تصيبها بالذعر لفترات  طويلة، وبانعدام الأمان دائما. وتظل تتكرر الكلمات في أذنها حتى تنتقل إلى سائر جسدها حتى تتسبب في كره البنت لأجزاء جسدها التي أصابتها كلمات التحرش. هل تعرف أنه بسبب عيناك التي اطلقتها مرة في جسدها ستظل هي تستشعر سكاكينها في أنحاء جسمها؟ الويل للمجتمع الذي يتسبب للمرأة بكره جسدها.   


معظم من ينتمون إلى هذا المجتمع يصنفون الإهانة الجسدية إلى مصائب كبرى وحوادث صغرى. وهم لا  يستنكرون إلا المصائب الكبرى، ويكادون لا يلقون بالا للحوادث الصغرى من وجهة نظرهم. لا يهتز المجتمع بالكامل إلا عندما يفيق على أنباء حادثة اغتصاب. وليته عندما يهتز يفعل شيئا فعالا. كل ما يفعله عندما يفيق هو التعبير عن استيائه بكلمات فيسبوكية لمدة لا تطيل عن يومين أو ثلاثة وأنتهى الأمر وأصبح نسيا منسيا. أما عما يظنونه حوادث صغرى، فالنظرة والكلمة لا تترك خدوشها فقط في نفس البنت، لكنها على مدى السنوات التي تكبر فيها تحتل الخدوش مساحات أكبر لتصبح جزء متأصلا من تكوينها النفسي كإنسانة عضوة في هذا المجتمع. ويظل كرهها لجسدها يكبر معها حتى يتضخم. ويتسائل الرجال عن سبب حدة طباع هذه البنت، أو خفوت رقتها، أو لجوئها للعنف أحيانا.  وأقول لكل رجل يدور بخلده هذه الأسئلة فلتنظر إلى المرآه. نظراتك وكلماتك هي السبب. هي كأنثى بحاجة لك كرجل لتحميها، فبدلا أن تحميها تسببت لها بانعدام الأمان فاضطرت لأن تضع نفسها وراء درعا واقيا لتحاول أن تحمي الجزء النفسي السليم المتبقي. بنت اليوم ستصبح أم غدا. وسؤالي هو: هل تعلم أن ما يحدث للبنت الصغيرة يوميا لا يؤثر عليها هي فقط وإنما يؤثر على جيل كامل ستنجبه؟ كم مشرقا سيكون مستقبل هذا المجتمع!

الأربعاء، 25 يونيو، 2014

لجين مرة أخرى


  

 عُدت لأكتب لكِ يا حبيبتي الصغيرة التي أفتقد الكتابة لها. ألم أخبركِ أنك ستسكنين رسائلي لفترة؟ أحيانا رغم ضجيج الحياة، وكثرة الناس في حياتي- العابرون منهم وأولئك الذين اختاروا البقاء فيها- لا أجد من أحادثه سواكِ أنتِ. لا أستطيع أن أعيد تجميع أجزاء البازل التي تتناثر يوميا - في عالم ليس لطيفا جدا للتواجد فيه- إلا أثناء عملية الكتابة إليكِ. الأمور تبدو أوضح أحيانا، وأقل تعقيدا دائما خلال الكتابة لكِ يا لُجين.

  لُجين.. لماذا اخترت لكِ اسم لُجين يا صغيرتي؟ عندما آخذ تساؤلي هذا وأرجع به وبالزمن قليلا إلى اللحظة التي تخيرت لك فيها هذا الاسم  أجد أنني ربما اخترته لأن طريقة نطقه موسيقية، فيجبر اسمك ناطقه على تليحنه. هل تستطيعين أن تسمعيه؟ لُــــجـــــيــــــن. أو ربما اخترته لأنه  لن يمر مرور الكرام، فسيتوقف ناطق اسمك بعقله ووقته ليتأمله وإن لم يفهم معناه، أو ليحاول أن يدرك معناه وإن أخفق. أو ربما لأنني عندما أهديكِ يوما خاتما من فضة سأستطيع أن أقول لكِ "أهديكِ خاتم من لُجين للُجين" فأثير فيكِ ذكائك اللغوي وأستدرجك معي للعب بالكلمات. أو ربما اخترته لأنه اسم جميل وكان هذا سببا كافيا لي حينها.

  تستطيعين أن تلاحظي أن أمك شاعرية جدا، ولن تمنعك ملاحظتك عن التساؤل  عن سبب اهتمامي باسمك كل هذا الاهتمام. يقول العرب منذ القدم إن لكل شخصٍ من اسمه نصيب. وأنا أتمنى أن يصيبك نصيبك منه إذا وقع الاختيار عليه،  فيشارك معدنك معدن الفضة في صفاته. فلا أراكِ تكبيرين أمامي وأنتِ قابلة للطرق تحت تأثير الأزمات وحسب، ولكن أتيقن أنك قابلة أيضا للصقل بخبرة الحياة على كثرتها واختلافها، وأن تكوني مثلها موصلة جيدة للحرارة بدفء روحك وبياض قلبك. وإن لم يقع الاختيار عليه فسأحرص يا حبيبتي على أن يصيب الاختيار اسما جميلا يليق بكِ. ولتعلمي أنه وإن لم يعجبك سأدعمك في تغيير اسمكِ إن أردتِ. لا أريد منكِ أن تعيشي مع اسم تحملينه وأنتِ تكرهينه. أمك ليست مثالية يا لُجين، واختياراتها ليست صحيحة دائما. قد نختلف كثيرا أنتِ وأنا، وقد لا يروق لكِ ما يروق لي، لكنني أحبك.


  قد تتخيلين أنني سأقول لا، لكنني لن ارفض لكِ طلبك إن أردت السفر خارج المدينة التي نسكن بها. أنا لا أخاف من تصرفاتك، ولا من عواقبها، لكنني لا أتخيل أن  تمشي قطعة من قلبي لتبيت بعيدا عني. أريدك قريبة. أريدك هنا. أريد أن أراكِ تذهبين وتجيئين وتملئين حياتي بالسعادة يا فراشتي. أريد أن أضمك إليّ وقتما تشائين ووقتما أشاء. ستكونين لي في هذا الحين مصدر بهجة، وشعاع نور، وطاقة فرحة فلا تكسري قلب أمك وتطيلين الغياب والسفر.  

  تذكري يا حبيبتي أنني أستطيع أن أمنعك من وضع يدك في مكبس الكهرباء حتى لا تصعقي. وسأبعد يدك الملوثة عن فمك حتى لا تتأذي. و سأحاول أن أمنع عنك ما قد يصيبك بأذى قبل حدوثه، كنت أتمنى أن يظل الوضع هكذا، لكن مواجهتك أنتِ مع معنى الأذى في العالم تبدء عندما تخونك قدماك فتسقطين على الأرض الشريرة. اكشفي ذراعك الأيسر وانظري إلى مكان الجرح الذي أصابه عندما سقطتِ وأنتِ تلعبين. لازال أثره موجودا، أليس كذلك؟ لن أستطيع أن أضمن لك بأنني سأنقذكِ دائما قبل ارتطامك بالأرض، ولكنني أعدك بأنني سأكون هنا لأضمك إلى صدري ولأضمد جراحكِ.

 ستكبرين وترتطمين مرات لا حصر لها. ولن أستطيع أن أحبسك وراء لوح زجاجي تشاهدين الحياة دون أن تعيشينها. عليكِ أن تتفهمي أنه للعيش ضريبة تكون خدوشا وجروحا ستعودين بها. ربما سيُشفى بعضها، ولكن بعض الجروح لن تُشفى أبدا. وأثر كل ما سيحدث لكِ لن يذهب. كل شيء يحدث لنا يترك أثرا في الجسد أو في الروح  يا حبيبتي. تذكري أنكِ قوية يا حبيبتي. أنتِ قوية. ستعاودين للوقوف على قدماكِ مرات أكثر من المرات التي خانتك فيها القدمان نفسهما. تمردي. تمردي على خوفك قبل خوفي. أنا لا أخشى تمردكِ ولكنني أخشى أسئلتك.

 ستسألينني أحيانا عن أشياء بديهية أخذتها أنا من المسلمات لوقت طويل دون أعرف السبب. ستسألينني منذ أن تتعلمي الكلام عن الماورائيات، وعن كل شيء تقع عليه يدك الصغيرة و كل شيء تراه عيناكِ الجميلتان. ستسألينني  من الله؟ وأين هو؟ ولماذا أنتِ هنا؟ وأين يذهب الموتى؟ ومتى سنقابلهم مرة أخرى؟ ولماذا ماتوا؟ وماذا يعني القدر؟ وكيف أصبح الكون كونا؟ وكيف جئتِ؟ وما إذا كان الدولفين يلد أم يبيض؟  وأنا لا أملك كل الأجوبة يا حبيبتي. ولا أقنع بالإجابات التي بحوذتي والتي حفظتها عن ظهر قلب في المدرسة. أنا لازلت أبحث عن الأجوبة. وأتمنى أن اهتدي لها قبل أن تنيري أنتِ حياتي.

 ستعودين يوما ما تبكين عندما تقول لك مدرستك الغبية أنك لست بنتا صالحة. وسأقول لك حينها  قبل أن تتأثري بأراء الناس وبكلامهم عليكِ أن تفرقي بين من يريد نصحك وبين من يريد هدمك وبين من يريد أن ينفس عن مرضه. وعليكِ أن تحافظي على تعريفات الأشياء في رأسك. من هو الإنسان الصالح؟ هل هي المدرسة التي عندما تنظر إلى طالبتها لا ترى إنسانة ولكنها تراها على شكل ورقة فئة المئة جنية؟ هل الإنسان الصالح هو الذي يصلي الفروض الخمس، ويستغل مجهود موظفيه في العمل لأن لديه منصب أعلى؟ هل هو الشخص الذي تعكس تصرفاته قلبا تأكل فيه الكراهية وتجعله يزحف كالثعبان ويؤذي من حوله في الخفاء؟ هل الإنسان الصالح هو من يشهد له الناس بالصلاح؟ ماذا عن قلبه؟ ماذا عن أعماق روحه؟ من هو حين يكون وحيدا؟ من هو خلف الأبواب المغلقة؟ أصالح هو حين لا ينظر الناس؟ كل ما أعرفه أن حدسك سيعرف لك الصلاح. ستشعرين داخل قلبك بالأشياء وصلاحها. سيفرق حدسك بين ألوان الناس والأفعال. ثقي بحدسك يا حبيبتي. أحيانا لن تملكي سواه. 

 لن أتوقف عن الكتابة لكِ. قد تطول المدة بين الرسالة والأخرى لكنني لن أقطع رسائلي. هناك الكثير الذي أريد أن أخبرك عنه. وإن وجدت شيئا غير واضحا لكِ تماما عاودي القراءة. أعلم أنكِ ذكية وتفهمين ما وراء الكلمات. أريدكِ أن تعرفي أنني أفكر بكِ، وأحبكِ.



الأربعاء، 21 مايو، 2014

يعني إيه كلمة وطن؟




  في مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات تقريبا أخبرتني صديقة أنها ذاهبة للتظاهر. هل مرت فعلا سنوات ثلاثة؟! على ما يبدو نعم! فوفقا للتقويم وللنتيجة المعلقة بإهمال على حائط مطبخنا مرت ثلاث سنوات على ذلك اليوم الذي كانت تمتلك فيه صديقتي سببا واضحا جليا لتقدم على فعلتها هذه منذ البداية وهو أنها تتظاهر الآن حتى لا يؤذى أحدا تحبه من بطش سلطة ولا من فقر لا الآن ولا في المستقبل. وكانت طريقتها في ذلك هي رفع صوتها والنداء على حقوق معيشية إنسانية تائهة: أكل آدمي، وتعليم جيد بمقابل زهيد، وعمل يقدر العاملين معنويا قبل ماديا ، وحرية الخروج عن القطيع إن أرادت، وأمان يضمن لها كل هذا دون أن تَسجن أو تَقتل أو تذهب  وراء الشمس. في الحقيقة لم يك  يفرق معها انتماء السلطة السياسي – ولا حتى الديني-  بقدر ما كان يفرق معها أن تتوافر لها ولمن تحب تلك الحياة التي وضعت لها خطوطا عريضة.

  لم تك تحركها الكلمات الرنانة التي تدعو للحفاظ على الوطن من الضياع، ولم تصدق أبدا في شعار "نموت نموت ويحيا الوطن".  يمكن للكلمات البراقة والشعارات اللامعة أن تخفي وراء بريقها حقارة تتيح لمن يتصف بها أن يلهب حماس الجماهير الغافلة أحيانا والجاهلة دائما فتموت تموت الجماهير - لا ليحيا الوطن-  بل ليحيا محركي الجماهير في فسح من العيش. ومحركي العرائس في مسرح الوطن قد يلبسون إما قفازا من سندس وإستبرق ويحركون به عرائسهم نحو الخلاص، أو يلبسون قفازا لونه لون الصحراء يحركون العرائس به نحو الاستقرار، أو يلبسون قفازا من الجينز يحركون به العرائس نحو الديمقراطية. 

  وكانت تعرف أن تمرد العرائس على محركيها- وإن حدث- فلن يدوم، وإن قطعت العرائس خيطا أو خيطين على الأكثر، فهي لن  تجرؤ على تقطيع الخيوط جميعها، وأنه سيمر وقت أقصر مما يتوقع أحد حتى يعود إحكام سيطرة محركي العرائس على المسرح كما كان دائما.  في حظة ما كانت صديقتي جزء من العرض. ولأن خيوطها لم تك محكمة بالشكل الكافي، ولأن على معصمي يدها مادة طاردة للقيود، ولأنها لم تك تشبه باقي العرائس فقامت العرائس بطردها من العرض على اختلاف محركيهم. وتحولت إلى مَشاهدة جيدة جدا، وكانت تراقب عن كثب من كرسي الصف الأول في المسرح  على أمل أن يخيب ظنها أو أن يخطيء حدسها، لكن صدقت  توقعاتها إلا أنها لم  تستمتع أبدا بالعرض.

 غريبة هي في بلاد غريبة. كيف لقلبها أن يمتليء بالغربة هكذا في أرض يسمونها زورا وطنا؟! الوطن. الجميع من حولها يرددون هذه الكلمة. يعني إيه كلمة وطن؟ حتى دينا الوديدي تسائلت دون أن تصل إلى إجابه واضحة! الوطن أرض وسماء وبنايات وناس. بعبارة أخرى الوطن هو أرض خراب، وسماء تختنق، وبنايات عفنة، وناس بتنداس.  سمعت صوت غسان كنفاني متسللا قائلا لها "أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث ذلك كله!". ويؤكد لها كنفاني أن الوطن هو كل شيء جميل غير موجود بدلا من كل شيء قبيح موجود. وأقل ما استطاعت أن تصف صديقتي به العرض هو القبح. 

 أخبرها وأخبرني يا غسان هل الوطن مكان أم هو إحساس؟ هل أصابها خللا عقليا ما عندما قالت إنها لا تشعر بصلة تربطها بالأرض التي تعيش فيها؟ وإن الصلة بينها وبين الناس حيث تعيش ليست ارتباطا قويا لدرجة كبيرة؟! جسدها  في مكان وعقلها هارب في مكان أخر. وليتها حتى تستطيع الإمساك بهذا المكان! كل ما تعرفه هو أنه مكانا أخرا تتواجد فيه هي ومن تحب وحسب. هل أخطأت عندما ظنت أن تلك العرائس غبية وساذجة؟! هل جنت عندما قررت أن تحول مسار طاقاتها من الهتاف إلى وجهة الهجرة؟

 هذه الكلمة واسعة كالمحيط. وغير قابله للإمساك بها كمائه التي تتسرب من بين أصابع اليد الواحدة.  أتعرفين يا صديقتي ماذا وجدت  أثناء بحثي عن تعريف الكلمة في المعاجم؟ وسط تعريفاته بأنه مكان الأصل حيث تتواجد فيه أمة يشعر المرء بارتباطه بها وجدت تعريفا للوطن بأنه "بيئة توفر الأمن والســـــــــــــــعـــــــادة".  تخيلي! كلمة السعادة وردت كبندا من بنود الوطن في تعريفه. والسعادة هي فرح وابتهاج "أيْ كُلُّ مَا يُدْخِلُ البَهْجَةَ وَالفَرَحَ عَلَى النَّفْسِ".  ياللمفارقة! وياللفرق الشاسع بين ما هو كائن وما يجب أن يكون!  ماذا يعني الوطن يا صفية؟ لا أنتي تعرفين ولا صديقتي تعرف ولا أنا أعرف، لكن ما نعرفه هو أنه حتما عكس كل ما هو موجود.  

السبت، 19 أبريل، 2014

إلى هناك



أهلا وسهلا! يا مراحب! توحشناكِ والله!
 في الواقع- الواقع الذي نهرب منه دائما ولا أعرف إذا ما كنا جميعا نكرهه فلماذا نحب استخدام  تعبير "في الواقع" بالأساس! – ولكن في الواقع على أي حال إن وصف الحالة إياها بـ"اللامبالاه" هو إعادة لكلام مُعاد إعادات مُعادة. أين الإبداع يا بشر؟! لامبالاه هنا ولامبالاه هناك! لامبالاه في كل مكان! الكل يتحدث عن اللامبالاه. أنتم تصيبوني بالملل! ومع هذا أرجو ألا تأخذ ما أكتبه بجدية. وأرجو ألا تحملني مسئولية أن يوافق ما أكتبه أهواءك وأن يقابل إبداعي توقعاتك. فقط دعني أعلن عن وجودي بالكتابة ودعني أحتمي بمساحتي من الحاضر والآتي. ودعني أصيبك بالملل قليلا أيضا. عل مللك يكون دافع للكتابة وأكون ساعتها عملت فيك جميلة.

 في الواقع - مرة ثانية -  محظوظون أولئك اللذين يمتلكون القدرة على الكتابة. ولكنك بالطبع تعرف أنهم تعساء في نواحٍ أخرى. فهم -على سبيل المثال لا الحصر- يغبطون من يمتلكون القدرة على الانخراط في الواقع دون الاضطرار لِللجوء إلى عالمٍ موازٍ. العالم الموازي يا صديقي! العالم الموازي فيه حياة لرافضي القبح والحالمين بالجمال. ولكنه في النهاية عالم مواز يقبع بين ثنايا المخ  ويشغل عدة سنتيمترات دماغية ولكنه لا يشغل إن شالله متر مكعب واحد من هذه الأرض الكروية.  

  ومادام أخذتنا الكتابة في سككها - التي لا تضح ملامحها إلا في النهاية - للحديث عن العالمِ الموازِ وما يتعلق به فليكن كذلك. ويعلم الله أنّي عندما وضعت يداي على لوحة المفاتيح هذه لم يكن لدي أي فكرة عما سأكتبه. ولم يكن لدي فكره عما إذا كنت سأكتب هذه المرة أصلا أم كنت سآخذ نزهة في دهاليز عقلي لأعود بخفي حنين بعدما ذهبت مع وجداني إلى الشعور بالإنجاز والرضا عن النفس والراحة الذي ينتج عن الكتابة لأجدني لم أكتب ثلاث كلمات متوافقات بعد أن انتظرت طويلا كالمصاب بإمساك فكري. عذرا لم أجد تشبيها أبلغ من هذا في هذه اللحظة. ماشي. الله يقرفني يا سيدي! ويصبرك على ما سأكتب.
 
 فلتعلم أن وحدة الكلمات هذه التي تقرأها الآن لم تكن بالشكل نفسه الذي تبدو عليه قبل ساعات. فقد شَرّحت ما قد كتبته بمشرط حاد، وفتحت أحشاء النص، واستئصلت ورم التشوه منه. وقمت بقص مالا يلزم، وبوصل خامة الكلمات السابقة بقماش من لونها حتى تتبختر وتُعجَب بنفسها أمام مرآة الكتابة. كل شيء قابل للهدم ولكني لست متأكدة تماما ما إذا كان قابل لإعادة بناءه. 

 أعد لي الأرض كي أستريح فعقلي مشوش حد التعب. لا آمرك - لا سمح الله - ولكني أطلب يد العون والمساعدة. فالأفكار تورطني في عراك لا حول لي فيه ولا قوة، وتنهك عقلي بضجيجها وصخبها. أضع سماعات الرأس وأرفع درجة صوت الموسيقى. فيقابل تشويش الموسيقى على هذه الأفكار تشويش الأفكار على عقلي فيتصارع التشويش القادم من الخارج مع التشويش القابع بالداخل حتى تتسبب قوة صراعهما في قطع الأسلاك التي تحمل التيار التشويشي إلى الخلايا العقلية المسكينة فيأتي من مكان غير معلوم ليفض اشتباكهما ويفرض حضوره صمتٌ جسورٌ فيسود للحظة تبدو أبدية. 






           




           أدخل بقدمك اليمنى. أنت الآن في العالمِ الموازِ. 











 التعايش. التعايش الغبي! أنا في العالمِ الموازِ لأني غير قادرة على التعايش. أفضل شخصيات الكتب على شخصيات الواقع. وأفضل الروايات على كتب السير الذاتية. وأفضل قراءة قصائد الشعر خارج دواوينها. ولم أقتنع قط بفكرة قراءة ديوان شعري هكذا في أسبوع أو أسبوعين. أنت تفتح الديوان لتقرأ قصيدة بعينها لتشعر بحالة بعينها، أو لتجد العزاء بين أبياتها عن عجزك عن التعبير عن حالتك. وتغلق الديوان ولم تزل به قصائد لم تقرأها وإن قرأتها لن تعود لها لأنها ربما تكون مُحاكة لغيرك، أو لأنها لا تشبهك بما يكفي.


 ورغم أني فوق العشرين بقليل لازلت أفضل مشاهدة قناة سبيس تون، وأي كرتون مادام بعيدا عن كرة القدم وصراع القوى. وأفضل مشاهدة سبونج بوب سكوير بانتس على مشاهدة الأفلام المصرية. "حلاوة روح" يا هيفاء؟ ماذا تقول من تتحلى فعلا بحلاوة الروح عن نفسها؟ حلاوة طحينية بالمكسرات؟! وأفضل الصمت على الكلام. وصدق صاحب التوك توك عندما زيّن ظهر توك توكه بتاتو "مات الكلام يا صاحبي". فلا جدوى من تعكير صفو الملاذ الآخير بتوضيحه لمن لا يقدر أهميته. وأفضل الفيسبوك على الواتس آب تجنبا للشخصيات الواقعية الاستفزازية التي تقتحم خصوصية قرارك بفتح الواي فاي أو غلقه وقتما تريد أنت. 




في العالمِ الموازِ يمكنك أن تنسى قليلا بشأن علامات الإستفهام. فسيلهيك هذا العالم عن لهو الأسئلة بك. وستتوقف عن سؤال نفسك دون انتظار إجابة على أسئلة من قبيل لماذا ولدت في المدينة التي ولدت فيها تحديدا؟ وماذا كان سيحدث لو أنك ولدت في بلد آخر؟ ماذا كنت ستفعل لو كنت ألمانياً؟ هل كنت ستعربد في الملهى الليلي في نهاية الأسبوع مثل الإنجليز لو كنت ولدت في المملكة المتحدة؟ ماذا كان سيحدث لو فعلت ما خفت من الإقدام على فعله ؟ وماذا كان سيحدث لو لم تفعل ما فعلته؟ لماذا لا توجد حياة على كوكب آخر؟ ما فائدة كواكب المجموعة الشمسية إذا؟ هل ستكون من أهل الجنة؟ لماذا تشرق الشمس على الظالم والأقرب للعدل على حد السواء؟ أكل البشر يستحقون التمتع بجمال الشمس؟ ومن أنا لأقرر؟! هل نأخذ فعلا ما نستحق؟  هل يُعاقب شخص بذنب قطيع من الجُهال؟ هل الأمل الذي يأتي ويذهب سيأتي مرة أخرى؟ هل؟ ماذا؟ لماذا؟ أين؟



 لا بأس . أنت آمن الآن . لقد تركت أسئلتك على عتبة باب العالم الموازِ. ولكن على ما يبدو قد التصق بك سؤالان لأنك لم تمسح قدميك جيدا قبل الدخول. ستتعلم مع ارتيادك عليه أن تخلع حذائك بشكل كامل لتلامس قدماك أرضيته الرخامية الباردة، أو الباركيه، أو السيراميك المزرقش. كما تفضل، أنت من يختار. وتذكر أثناء التصميم أنه ليس هناك سقف. عالمك مفتوح على سماء زرقاء صافيه بحق وحقيقي لا تشبه سماء القاهرة في شيء. وأن هناك مطر لا ينتج عنه طين، بل ينتج عنه قوس قزح بأربعة وعشرين لون. وأن هناك دائما أرض تثبت عليها، وتدهس بقدماك المتحررتان واقعك بأسئلته عليها، وترقص رغم الوجع على جثته.

Share