الثلاثاء، 3 فبراير، 2015

كراكوف التي لا أعرفها



رأيت فيما يرى الرائي الليلة أنني في مدينة كراكوف أمشي في شوارعها برفقة "أجنيشكا"، والتي يعني اسمها "النقية" إذا ما ترجمناه من البولندية إلى العربية، وهي صديقتي التي تسكن هذه المدينة منذ مجيئها للحياة. لم تكن كراكوف في الحلم كما كنت تخيلتها في عقلي، ولم تكن تشبه الصور التي رأيتها من قبل، ولا تمط بأي صلة للمدينة التي وصفتها لي "أجا" العام الماضي عندما كانت كليتنا تتشاركان في قص القصص عن المدن، والأماكن، والترحال. 

 أنظر لصديقتي وأراها تنظر بدورها للآثار بنية اللون المتبقية من معالم كراكوف، وهي تبتسم في حنين إلى ماض بعيد، وتتوجه بنظرها إلى باب خشبي ضخم ممتد إلى السماء بلا نهاية وعلى جانبه الأيمن شباك كبير لم يكن في نية من بنو الباب أن يضعوه هناك. يبدو وكأنه شباك نتج صدفة عن مرور قذيفة ما بين ألواح الباب الخشبية. وعلى جانبه الأيسر فتحات ضخمة غير منتظمة الشكل والحجم تدل على أن ما تبقى من الباب اليوم شهد عملية اعتداء - ليس فقط على أسوار المدينة وبواباتها_ بل امتد ليشمل بناياتها وشوارعها ومحالها. 

 كراكوف التي كنت أراها في صور من سافروا إليها، وفي الصورالتي أخذها لها أهلها ومحبيها، وفي اللقطات الكلامية التي ترجمها عقلي إلى لقطات مرئية، كانت تستمع بحمام شمس ذهبية سمحت لشوارعها بألا تخلو من زهرة تباع الشمس. بنيت حوائطها طوبة فوق طوبة على الطراز المعماري القديم، ولا تخلو شوارعها من تفاصيل الأحجار المرصوصة جنبا إلى جنب حتى يمكنك أن تشعر بالفواصل الرفيعة بين كل حجر والآخر أثناء مشيك عليه. 

أما كراكوف التي رأيتها في منامي ليست إلا مدينة متشحة بالسواد، كئيبة، ومدمرة كأنها خرجت من حرب لتوها - أو خرج منها المحاربون لتوهم-، مظلمة ومعتمة لا شمس تزورها، شوراعها خالية من المارة وكأنهم قد قتلوا جميعا أثر الرصاص أو الرعب، نوافذ بيوتها رغم تسلل الرصاصات خلال ضلفها الخشبية والزجاجية لازالت مغلقة تخفي وراءها جثث أصحاب المنازل، ونصف بناياتها تناثر إلى جانب تراب شوارعها، شوارعها المكسية أرضياتها بالتراب والرمال، والنصف الآخر المتبق مكانه من بناياتها لا يصلح لشيء إلا للرثاء.


- هل هذه هي كراكوف؟! ألسنا في مدينة أخرى يا أجا؟

 قالت مكابرة:  بالطبع نحن في كراكوف. هذه هي كراكوف.

- ولكن هذه ليست كراكوف التي رأيتها في الصور! ليست هي ما تخيلته!

قالت وهي تبتعد: ربما ما رأيتها أنت مدينة مختلفة، ولكنك لا تتذكرين جيدا.

- كيف؟! أنت كنت معي! كنا نراها في الصور معا! كنت تحكين لي عنها! أنت تعرفين أن هذه ليست كراكوف. 


لم تجبني أجا، ولم تقل لي شيئا. فقط سبقتني ببضعة خطوات وهي تنظر تجاه الباب الخشبي المتهدم، لكنها كانت تنظر إلى مكان ما وحدها هي تعرفه.ورأيت أنا في نظراتها الخسارة والحسرة. رأيت في عينيها كراكوف الضائعة. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

speak out your mind

حدث خطأ في هذه الأداة